Posts tagged ‘thoughts’

June 15, 2011

لا وقت للفن؟ – دعاء علي

by M. A.

يستثير عنوان مسرحية ليلى سليمان الأخيرة “لا وقت للفن – عرض مسرح تفاعلي لتكريم شهداء ثورة ٢٥ يناير” تساؤلاً: هل هناك وقت للفن؟

منذ اندلاع الثورة، والفنانون المصريون في تهافت دجاجة بترت رأسها. واتخذت مخاوفهم بعداً يكاد يكون وجودياً. ماذا نفعل الآن؟ أنستمر في فعل ما كنا نفعله قبلاً؟ أين ننتهي “نحن” وأين يبدأ فننا؟ تؤشّر تلك التساؤلات إلى جوهر العملية الإبداعية والتي طالما ارتبطت بالحياة بصورة أو بأخرى.  على الأقل بحياة الفنان صاحب التساؤلات.

يجوز القول بأن تساؤلات شبيهة قد طرحت إبان الجدل الدائر حول كيفية تقديم أعمال أحمد بسيوني في فينيسيا، حين أدمج لقبيّ الفنان والشهيد في تقويض لكليهما.  إن نزول بسيوني إلى الشارع وموته كان محتماً بغض النظر عن كونه فناناً، وبالمثل فإن قيمة فنّه ليس لها صلة بمسألة استشهاده.  هل كان مشغولاً بميراثه الفنّي حين واجه الغاز المسيل للدموع وحين تلقى الرصاصات؟ هل فكَر أي من الفنانين المعتصمين في ميدان التحرير ثمانية عشر يوماً في فنّهم؟ أعرف أني لم أفكر في فني.

يبدو جلياً أنّ هناك فارقاً بين شخص الفنان وشخص الإنسان.  قد يتصادما أحياناً ويتبادلا طاقتهما الحركيّة، فيندفعا إلى حركتهما التالية. إن هذا التصادم – لحظة التعارف العابرة تلك – يشفّ من الأعمال الفنية العظيمة، فتشاهد العمل دون أن تجرفك سرديات خبيئة، ولن تشهق متعجباً “ماذا دار بخلده/ا بحق السماء؟”.  إن الفن الذي يبتدع حين يذوب ذلك الفارق لا يترك مجالاً لتخمين دوافع الإنسان (وليس الفنان)، وسواء إن نجح في أن يقبس اهتمام المشاهد أم لا، فلن يكون هناك شكاً في توحّد الهدف.

يبدو مع ذلك أن التساؤل اليوم قد صار حول كيفية منع ذلك التصادم من الوقوع.  يفرض علينا “الزمن” أن نضع خطاً فاصلاً بين من نحن، وماذا نفعل: لا يشترط أن يكون لما نفعله علاقة بمن نحن، بينما يجب في جميع الأحوال أن يشهد على وعينا بـ”متى” و”أين” نكون.  وبما أننا فنانون، وبما أن الحاضر ردئ، فإن الاستنتاج يصبح أنه “لا وقت للفن”، ولا يلزم مجهود كبير لأن يعقب ذلك أنه لا مكان للفن.

حين نقابل الأحداث الجسام، فلا مفر من الاعتراف بها.  يكفل التاريخ مكاناً محفوظاً للفن الارتكاسي*.  إذ لا يوجد وقت للفن في أعقاب التفجيرات أو الانتصارات السياسية، بمعنى آخر: لا وقت للتفكّر المتأمل أو الفلسفة. إنه وقت العمل والتكاتف والاحتفال، وأي شيء آخر يصبح غير ملائم.  قد يفسر ذلك حالة الجمود التي تصيب بعض الفنانين وتجعلهم عاجزين عن الإنتاج وعن مواصلة ما بدأوه، ولكنه لا يسوق حججاً لفن ارتكاسي متخفي في صورة نشاط سياسي.

إن الفن الارتكاسي مكروه لا مفر منه وغير مسوغ.  إنه قربان من اندفاع إنساني يتوق للعمل والإنتاج.  إنه ضروري ومشروع، ولكن يجب أن يظل استعراضه المتيقن والواعي تحت السيطرة.  يجب أن يعلم الفنانون الارتكاسيون أن تقديمهم للحياة الحقيقية بكل فجاجتها لا يقصيهم عن شئون الفن الزائدة، إذ تبقى التساؤلات حول مكان تقديم تلك الوقائع وكيفية تقديمها ومن “نحن” وكيف يحدد ذلك كله تلقينا لها؟ إن أي صورة للتمثيل الفنّي** تعود بنا إلى تلك النقطة من التفكير والتشتت، ذات النقطة التي تحاول تلك التمثيلات – بكل واقعيتها الخشنة – أن تدينها. إن إعادة استئطار واستمكان*** أي حدث حياتي وفي النهاية التوسط إليه يحيله إلى حدث متعمد، بعيد عن مقصده بعد الصورة عن موضوعها.

من هذا المدخل، يعجز أي مثال لمداخلة مسرحية تفاعلية – مؤداة على مسرح في قاعة من قبل ممثلين في مواعيد عرض مجدولة بل وملخص لما قد يتوقعه المتفرج – في أن يرتقي لشكل أصيل غير تقليدي لما لن ندعوه فناً.  بل ولا “يبجّل” حتى واقع الشهادة (ربما يبجل مفهومها). إن جاز لنا فإنها تمثّل حقيقة في شكلها الكاذب.  إن جاز فإنها تحمل في مضمونها تناقضاً ظاهرياً.  يمكن للمرء أن يستعين بأدوات الفن في نقد سطحيته، ويحدث ذلك طوال الوقت، ولكن الافتراض هنا هو أن ما يجري “الآن” لهو أكبر من قدرة الفن المحدودة على استيعابه والاستجابة له.  فما جدوى محاولة إعادة زج الفيل في الخزانة؟

ثمة برجوازية سقيمة في افتراضية وجود “وقت للفن”.  إن اقتراح أن الفن بإمكانه التواجد فقط كي يستجيب لهو فكرة مزعجة.  والأكثر إزعاجاً لهو اقتراح أن الفن لا يمكنه التواجد إذا عجز عن الاستجابة “المناسبة”.  أكان هناك فناً أبداً؟ أم ربما كان يمضي وقتاً إلى أن تندلع الثورة؟

أؤمن بشدة بأنه ليس هناك وقت للا وقت للفن.  إنه لشديد الخطورة في وقت نحن مطالبون فيه بأن نشحذ جميع مواردنا الإبداعية وأن نحرر إمكاناتنا وأن نهجر العقائدية وأن نوسع من فهمنا، أن نجد كلمة لا إلى جوار كلمة فن.

نص: دعاء علي
ترجمة: محمد عبدالله

* الارتكاس: الاستجابة أو الارتجاع – رد الفعل (المترجم)
** التمثيل في الفن يعني الاستعانة بعناصر في العمل يسهل التعرف عليها من الجميع (المترجم)
***الاستمكان: طلب المكانية للشيء (المترجم)

October 23, 2010

هل هناك مخرج من أن يكون الاسقلال في الفن فئوياً؟ قراءة في فيلم ميكروفون

by M. A.

شاهدت الأسبوع الماضي فيلم “ميكروفون“، الفيلم الثاني للمخرج أحمد عبدالله من تأليفه وإنتاج فيلم كلينيك وخالد أبو النجا.  شارك الفيلم وطاقمه في مهرجان تورنتو السينمائي وسافر منه إلى مهرجان فانكوفر ثم لندن. أدرك أن صلة القرابة التي تجمعني بالمخرج أحمد عبدالله سوف تستثير مساءلة لمصداقية أي تحليل لأعماله قد يصدر عني.  وسأحاول استعادة قسط من هذه المصداقية بسرد حقيقة أنه لم تربطني بهذا العمل أية صلة إبان كتابته أو تصويره والذي تم بالكامل في مدينة الإسكندرية، على عكس فيلم عبدالله الطويل الأول “هليوبوليس” والذي قرأت نصه الفائز بجائزة ساويرس للعمل الأول قبل بدء التصوير.

يتبع الفيلم (سأستخدم هذا الفعل لأنه يصف بدقة الطابع الوثائقي لكاميرا طارق حفني مدير التصوير) بطل الفيلم خالد أبو النجا الذي يعود إلى الإسكندرية بعد فترة قضاها في الولايات المتحدة مهندساً للأقمار صناعية.  يقابل خالد من خلال عمله في جمعية أهلية ناشطة في العمل الثقافي المحلي – استخدم لها كاتب الفيلم ومخرجه مؤسسة سكندرية حقيقة هي “جدران” في توجه لاستخدام شخصيات وأماكن بأسمائها الحقيقة سوف يستمر طوال الفيلم – والتي تدير قهوة تمثل فضاءً عاماً للقاء المبدعين الشباب، سلسلة من المراهقين والشباب الذي يحاول بوسيلة أو بأخرى أن يجد فرصة للتعبير عن صوته في صورة مجموعات موسيقية “مستقلة” (لم يبذل الفيلم أي مجهود في شرح مفهوم استقلال هذه المجموعات باستثناء انعزالهم مجتمعياً وفنياً عن كل ما هو شعبوي).  يقرر خالد – في شهامة تنموية لا تخلو من العطف – أن يحاول منح الشباب فرصة للتعبير عن صوته فيصطدم بقمع مؤسسي أولاً ثم بالواقع الأليم في أن الشارع لم يعد ملكاً لهؤلاء.

يفاجئ أحمد عبدالله الجميع بقدرته المذهلة على التحكم في أدواته في فيلمه الثاني، بينما يصنع فيلماً شديد الشخصنة.  وضع على لسان شخصيتي صانعي الأفلام الوثائقية في الفيلم جم تساؤلاته وإشكالياته.  أساساً يبدو تمكنه من لغته السينمائية محكماً في كونه امتداداً شديد التطور للغة “هليوبوليس”.   أكرر القول دوماً بأن النصف ساعة الأولى لأي من أفلام أحمد عبدالله هي الأصعب، إذ تكرس جميع العناصر لنزع المتفرج خارج دائرة الأمان التي اعتادها لدى مشاهدة فيلماً.  فيض المعلومات من ناحية الكم والتسلسل يخالف تلك التي نتلقاها في الدقائق الأولى لأي فيلم، لا يبدو فيها شاغل عبدالله فيها هو التعريف بالشخصيات أو تكريس نقطة لبداية القصة وإنما العكس، يبدو جل همه أن ننسى جميعاً ما اعتدنا وأن نترك أذهاننا ليعصف بها أينما يشاء.  وهو تحديداً ما يفعل.

يعتمد الفيلم على عنصر أساسي في اختيار شخصياته “المستقلة” وهو كونها جميعاً تفتش عن وسيلة للتعبير عن أنفسها خارج إطار المعتاد بينما تحاول استعادة الشارع، سواء إن كان ذلك عن طريق التعبير الفني (مغني الهيب هوب – الفرق الموسيقية المعاصرة – فناني الغرافيتي – صانعي السينما المستقلة) أو عن طريق أسلوب للعيش (مراهقي التزلج، الذين اختزل الفيلم ثقافتهم إلى وسيلة تنقل غير معتادة).  بالطبع وقع الفيلم فوراً في إشكالية طبقية، إذ فشلت هذه الشخصيات جميعاً في كسب تعاطفي كمشاهد بوصفها ضحايا في صراع من أجل استعادة شارع يحتله الكثيرون بالفعل، إذ تنتمي هذه الشخصيات جميعاً لفئة مجتمعية ذات ميزات اقتصادية تعطي هؤلاء الشباب القدرة على تمضية وقتهم في أنشطة من هذا النوع.  يتبدى هذا الموقف متعمداً في شخصية المراهق ياسين والذي لا نراه طوال الفيلم إلا ممتطياً زلاجته ومرتدياً قميصاً مكوياً لا ينافس بياضه إلا شعر ياسين الفاحم المقصوص بعناية، وفي شخصيتي مجدي ويسرا الذين يبدو أنه قد تم اختيارهما ليضارعا وسامة عارضي الأزياء.  تبقى شخصية بائع الشرائط الذي يحتمي بـ/ يحمي لوحة المرشح الانتخابي (صوته؟) استثناءً فجاً وكأنه يحاول لصق حق التعبير بالفئات المطحونة.

إن الاستقلال في الفن لهو مصطلح اقتصادي.  فهو يصف إنتاج عمل إبداعي خارج إطار العالم المحكم لشركات الإنتاج الضخمة.  بلغت بساطة المصطلح في عالم الموسيقى إلى درجة استخدامه في وصف أي ألبوم صادر عن أي شركة إنتاج بخلاف الخمس الكبرى.  رافقت هذا التحرر الاقتصادي بطبيعة الحال حرية إبداعية، وهو ما أدى لاختلاط الأوراق في التعامل مع الاستقلال، جاعلاً منه “أسلوباً في العمل” بصرف النظر عن اقتصاديات الإنتاج.  اعتمد كثير من الفنانين المبتدئين – وبعض المخضرمين مثل برنس مثلاً – على الإنتاج المستقل لشق طريقاً في غابة القيم التجارية.

يحول “ميكروفون” المصطلح الاقتصادي إلى نوع من التمييز الطبقي: فهو وسيلة للترفع عن الجماهير واقتصادياتهم بل ربما وثقافتهم.  من الملفت في الفيلم أن تحمل جميع الشخصيات المنتمية للطبقات الدنيا أصواتاً إما مشوهة (كما في حالة بائع الشرائط الصامت في الأغلب باستثناء بعض كلمات الأغاني التي يرددها) أو مفكهة (كما في حالة الإكسلنس، السمسار اللزج كثير الكلام والذي يأمره خالد حرفياً بالصمت، بينما تعامله آية بابتسامة ساخرة لا تخلو من الترفع) أو محملة بصوت الخطاب الديني القامع كما في حالة مجموعة المصلين الذين يعترضون على حفل القهوة.  من المؤسف بالطبع أن يكون واقعنا أن يقسم الشارع بين رجال الشرطة والسماسرة المتسلقين والمتأسلمين، ولكن يفشل الفيلم في التطرق إلى أن هؤلاء الأشرار المتأسلمين (نراهم في لقطات مقربة مشوِهة يصرخون في خالد لإلغاء الحفل ثم تدعم موقفهم الشرطة) هم في واقع الأمر تمثيل حقيقي للطبقات الوسطى والدنيا الذين يمارسون حقهم في تملك الشارع بعد سنوات من اتحاد رأس المال والسلطة.

ابتداءً من هذه النقطة لا يتوقف توجه صانعي الفيلم – في جرأة شديدة – عن خلق عمل يكاد يخلو من العواطف.  إن وضع كثير من الشخصيات في مواجهة العدسة في حديث مع الكاميرا عن دوافعهم ومشاعرهم يزيد من تفهمنا لهذه الشخصيات دون شك، ولكن يأتي ذلك على حساب التعاطف.  يخالف الفيلم البنيوية المعتادة أيضاً حين يضع الخط الدرامي الوحيد تقريباً (لقاء خالد بحبيبته السابقة التي تخبره بقرارها السفر للخارج) في خلفية العمل بينما تملأ المدينة وشخوصها فراغ المقدمة.  كان لذلك التوجه ثلاثة آثار أساسية أولها هو اضطرار مخرج الفيلم ومونتيره هشام صقر لأن يصنعا فيلماً طوله ساعتين، وثانيها هو تلك “البرودة الوثائقية” التي تشيع طوال الفيلم وتجعل التعامل مع جميع أحداثه وشخصياته حيادياً بشكل لا يخلو من القسوة، وثالثها هو أنه قد حكم على أي خط درامي يحمل أقل شحنة من العواطف بأن يوصم فوراً بالإقحام.  يتضح ذلك في قصة الحب التي جمعت بين مجدي ويسرا، وتطور علاقة الأب بشاهين.   يبدو أنه سوف يبقى هناك دوماً قدر من التخوف من الخروج كلية عن المألوف لدى صنع عمل للجمهور.

كتب الفيلم من خلال سلسلة من الحكايات التي جمعها أحمد عبدالله من شخصيات حقيقية، قام بغزلها جميعاً في خيط واحد ثم أعاد طرحها على أصحابها الذين قاموا بتمثيل أدوارهم الحقيقية.  يظل ذلك في رأيي أحد أبرز عناصر المعاصرة في الفيلم حيث يذكرنا بالاتجاه نحو العموميات الخلاقة في التعامل مع المنتوج الإبداعي.  لم يدع الفيلم في أي وقت افتقاره لمؤلف، ولكنه يجد عدة حلول مبدعة لإحقاق أصحاب القصص الأصليين حقهم.  وعلى الرغم من الجرأة الشديدة المتمثلة في “دمقرطة” العملية الإبداعية، إلا أن كون عبدالله “مولف” الفيلم ومخرجه قد جاء على حساب توكيد أحادية الرؤية.  وسأستعير هنا وصف صديق لي في أن الفيلم كان بحاجة لمحامي شيطان ليصل إلى درجة ما من الحبك السردي.

ربما لا يجوز الحديث عن “ميكروفون” دون التطرق للصورة الرائعة التي أبدعها طارق حفني بعدسات كاميرا ديجيتال صممت أساساً للتصوير الفوتوغرافي (حفني مصور فوتوغرافي محترف تعرض أعماله باستمرار) وتختبر للمرة الأولى في مصر في صناعة فيلم سينمائي طويل.  كان لحجم الكاميرا الصغير ووزنها الضئيل وهيئتها الاعتيادية دوراً هائلاً في تصوير المشاهد الوثائقية في الشوارع وفي مشاهد التزلج.  كانت خبرة طارق في الإضاءة للكاميرات الفوتوغرافية أفضل عون له في صناعة صورة ممتازة في تصوير فيلمه الطويل الأول، ربما كان مشهد الحفل في دار سامح أفضل لحظاته السينمائية.

ميكروفون قفزة أخرى في طريق مخرج ذو رؤية متميزة، وخطوة على طريق صناعة سينما مصرية مختلفة ومعاصرة آمل أن تجد قريباً حلاً لإشكالية استقلالها الفئوي وأن تكتفي باستقلالها الاقتصادي والذوقي.

%d bloggers like this: