Posts tagged ‘shift delete 30’

January 26, 2012

ديجا فو: نقد لمحاولتي استرداد في الحدث الفني المصري المعاصر

by M. A.

ترددت كثيراً قبل ان أقرر الجلوس للكتابة حول حالة مزاجية لمستها في الحدث الفني المعاصر الحالي في مصر.  حالة مزاجية تتميز بحداثة السن والإيجابية بل وربما إلى حد ما بعدائية.  وقد وجدتني طوال الأسبوعين الماضيين بصدد عدد من النقاشات حول طبيعة تلك الحالة وبالأخص فيما يتعلق بمحاولتين بعينهما وقعتا – لا مصادفة – في يناير/ كانون ثاني 2012.  أولى هاتين اللحظتين هي كايرو دوكيومنتا في دورته الثانية، وثانيتهما هي معرض شفت ديليت ثرتي (وأعتذر إذ لم يتكبد منظمو المعرضين على حد علمي أي مجهود لتعريب الاسمين).

أججت تلك النقاشات التحليل التالي إذ صارت وقوداً له.  ورغم ما قد يبدو للبعض تهميشاً لذلك الكم من الأعمال الفنية والفنانين الذي تشكلت منه كلا اللحظتان، فقد ارتأيت أن أتجنّب نقد أياً من تلك الأعمال.  ربما شفقة بذاتي، إذ لا قبل لي بأن أجد لي مدخلاً لتفكيك ذلك النسيج الفني المتشابك، عسى أن أتحرر يوماً من ذلك الذعر.  إلى أن يأتي ذلك اليوم فسأكتفي بأن أحاول في الصفحة التالية أو ما قارب إرساء سمة مشتركة لمستها فيما بين المشهدين.  كلا اللحظتان في رأيي فعلا استرداد فاشل، رؤيتا تمكين أجهضتا بينما تحاولان التهام أكثر مما يتسع فاهما، فلفظتاه كما هو.

المشهد الأول: كايرو دوكيومنتا
أدخن سيكارة في فضاء عرض مرتجل لأعمال قرابة 25 فناناً مصرياً شاباً داخل مبنى فندق الفينواز.  يشرح لنا أحد رؤوس تلك المبادرة آلية المشاركة والاختيار، وقد كانت كما يلي: في قلب المبادرة يقبع فريق من ستة فنانين (مجلس الأمناء) ويشاركون بالطبع بأعمالهم، يقوم كل من مجلس الستة بترشيح فنانين اثنين، ثم يقوم كل منهم بدوره بترشيح اثنين في منظومة تفرع متشعب.  ليس ثمة موضوع ولا نية قيمية ولا مناقشة ولا حتى محددات مساحية.  جل ما هنالك هو مجموعة الستة (هل ذكرت أنهم يطلقون عليها مجلس الأمناء؟) التي تقرر نهائياً من تقبل مشاركته ومن يرفض.

لا يخفى على المتابع للدورة الأولى من كايرو دوكيومنتا عبث ﺗﻌﺎﺭﺽ تلك المنظومة لدى مقارنتها بالإعلان ﺍﻟﺜﻮﺭﻱ الذي أطلقته المبادرة قبل عام واحد لا أكثر (انظر مقال مي الوكيل الرائع حول الدورة الأولى). لقد كان جوهر الحدث عندها – بل واليوم كذلك على الرغم من المساعي المتعمدة لتجريد المعرض والأعمال من أي تسييس أو سياق –  هو عدائه للمؤسسة ولممارسات القيمين في محاولة لتصوّر ديناميات أخرى وسلطة أخرى ليست بالضرورة سلطة القيّم.  ﻓﺼﺎﺭﺕ ما كان مقدر لها يوماً أن تكون تربة خصبة لمجموعة من أكثر عناصر جيلهم إبداعاً من أجل نمو ما قد يكون أحدث أنظمة صناعة القرار وتمكين الفرد، استكملت دورتها وتوصلت لاستنتاج أنه من العسير على قرابة 25 فرداً التوصل لقرار جماعي، ليس بشكل عملي أو في إطار زمني فعال على الأقل.  لابد لمجلس الستة أن يقرر عنهم، وعلى البقية أن تتبع القرار.

التلويح هنا كان بفعل استرداد الفرد لاستقلاله عن المؤسسة، وهو ﻣﺴﻌﻰ شديد الإثارة حبسنا أنفاسنا في انتظار ما قد يسفر عنه من تجليات جديدة.  منيت المحاولة بالفشل، ولم يتم استرداد شيء.  ﻓﻨﺸﺄﺕ مؤسسة ﻣﻦ بين الأفراد ولكنها مصمتة هذه المرة.  أكرر أن أنه قد جرى تجريد متعمد للأعمال من السياق، فصرنا نتساءل ازائها عما نفتقده فيها.  وأود أن أزج برأيي هنا، إذ أعتقد أن ما كان ينقص التجربة هو الفضاء الحواري.  هل من المفترض أن نصدق أنه لدى منح الفنان مطلق الحرية ﻓﻲ تقرير جميع الأمور ابتداء من ظروف العرض وانتهاء بالعلاقات الجمالية والمساحية بين الأعمال وبعضها البعض، فإن الفنان يﺟﻨﺢ ﻧﺤﻮ الخيار الاعتيادي بل التوفيقي؟ أشارت صديقة في حصافة إلى طرافة تعليق جميع الأعمال تقريباً على ارتفاع واحد، باستثناء عملين أو ثلاثة.

المشهد الثاني: شفت ديليت ثرتي
أقف في مركز سعد زغلول الثقافي أمام تجهيز فيديو من قناتين.  التجهيز غير مشغل.  ديجا فو؟

يختلف المذهب هنا جملة وتفصيلاً عن كايرو دوكيومنتا، فنحن هنا بصدد موضوع قيميَ ﻭﻧﻴﺔ جليةّ أسفرت عن عرض مسيّس واستجابي بل وارتكاسي إن شئنا القسوة.  عدد الفنانين أقل هنا الأمر الذي يلمح إلى مقاربة أكثر انتقائية بالمقارنة بالمنهج التشعبي.  ﻟﻢ يمنع ذلك تكرر حالة الاسترداد.

إننا هنا إزاء قيّم ﻳﺴﻌﻰ ﺍﻟﻰ العمل ضمن المنظومة الرسمية، فإن مركز سعد زغلول فضاء حكومي في نهاية الأمر.  ﺇﻧﻪ ﻣﺴﻌﻰ ﺷﺠﺎﻉ إلى الدفع بالممارسات القيّمية في قلب أجهزة الدولة، وإلى تقديم أعمال نقدية وسياسية لجيل شاب من الفنانين تحت أنف الدولة وباستخدام مواردها، وإلى أن يجري كل ذلك بشكل جيد.  ثمة هنا تفوّق واضح في الاهتمام بظروف العرض والتجهيز، وعلى الرغم من ذلك فإنني بصدد الدفع بفشل محاولة الاسترداد تلك أيضاً.

إن إشكالية تعامل الدولة مع الفن متعددة الأوجه.  لا جدال حول أهمية السعي إلى استرداد الموارد، ولكن ما ينبغي استرداده ربما أكثر من الموارد لهو الموقف من الفن، إنه الاهتمام بالخطاب الفني أو الاستجابة له على أقل تقدير.  ليس ثمة استرداد طالما لا يزال عشرون موظفاً أو ما ينيف يلتهمون شطائر الفلافل في مكاتبهم الضيقة التي تفتح أبوابها على قاعات العرض.  يمكننا بالطبع التجادل حول مسألة “القيمة المقدسة” لفضاء العرض، ولكن لا مجال لذلك الجدل إلى أن نعترف به، إلى أن نفسح له مجالاً في العقلية العامة.  وبالمثل فقد حقّرت الدولة من قيمة النقاش العام لأسباب لا تخفى على أحد، وإنني لم أر أي استرداد في وضع برنامج نقاشي عام ثم إهمال ترويجه للجمهور – ربما لتسرب شك الدولة المضمن في قيمته إلى عقليات المنظمين – بل والفشل في تظيمه بشكل يحترم المتحدثين ويليق بهم.  وأخيراً فليس ثمة أي استرداد في تنظيم عرض يتناول محو ثلاثين عاماً من ذاكرة جيل دون تقديم فنانة واحدة وكأنما تقيّدنا – بلا وعي – القيم المترسبة لدولة سلطة الذكر.  إن التأثير على السرديات الرسمية ومنظومة قيّمها ومؤسساتها ودينمايات القوى فيها إنما يبدأ بتحدّي تلك المسائل وليس باعتناقها.

لقد تعلّمت منذ فترة وجيزة ألا أتساءل حول دوافع أي فنان، وإنني لست بصدد ذلك الآن بأي شكل.  إن ما يثير فضولي هو ممارسات الاسترداد التي باءت بالفشل ومحاولات التمكين المحبطة وفوق كل شيء التساؤلات والجدل الموازي لها وما ينشأ عنها من تغيير في الديناميات.

%d bloggers like this: