Archive for ‘Post-imperialism’

August 3, 2015

مرثية الدودو

by M. A.

في مصر، مات الفن.

أجل. لم تخونك عيناك الكليلتان: مات الفن في مصر، هكذا طاب لنا أن نستهل مقالنا هذا. مات موت طائر الدودو، موت طائر منقرض يمشي ولا يطير لم يره أي منا يوماً، بل ولم تقع عليه عين قط منذ عهد بعيد.

تنويه: إن ما بين يديك عزيزي القارئ ليس بمقال من صنف تلك المقالات الساخرة المتذاكية والتي تعج بها منصات النشر بالإنكليزية علي الإنترنت، والتي يقوم على كتابتها وتحريرها جحافل من الهواة أنصاف المتعلمين المتمحكين بالثقافة الأنكلوسكسونية مبتسري الموهبة محاربي الفكر، ممن ارتضوا لأنفسهم في الفيسبك منهلاً لمعارفهم، وممن لازال لعابهم يجري لحذاقة ما في كيتش حقبة التسعينيات. كلا، عزيزي القارئ التعس (وإنك لتعس بحق، إن أثارت جيفة دودو متفسّخة أمرًا في نفسك) كلا، ليست هذه بواحدة من تلك الفظائع.

اعتبر ما بين يديك تأبينًا إن شئت، مرثية كتبها قلم نازح. جاء فيها: أن في مصر، مات الفن. ذلك أن الفن – عزيزي عاشق الفنون – يموت حينما يعجز الفنان عن سد عوزه كي ينتج أو يعرض أو يعمّم فنّه. فحين تغدو سياسة الدولة الثقافية هي تبديل رخام درج دار الأوبرا، وحين تقتطع الهيئات المانحة من موازناتها في اللحظة التي نحن فيها في أمسّ الحاجة لبذل المزيد من الموارد بغية ممانعة طوفان الموت والخوف والتطرّف الذي غشى المنطقة، حينئذ تفوح ريح التفسّخ.

يموت الفن متى تدنّي مستوى تعليم الفنون في البلاد إلى أسافل الدرجات، متى تخرّج المئات في معاهدنا كل عام بإجازات في التصوير وتطلْع إلى تكسّب من الحرف اليدوية وتصميم الإعلانات، متى شرعت خيرتنا في اختلاق مدارس خيالية تنشر معارف باطلة لا تنفع، وترسي بلا حياء دعائم شخصية الفنان المعاصر بكل ما قد صار عليه من دجل وتلاعب فارغ بالألفاظ.

يموت الفن متى أغلقت مؤسساتنا أبوابها الواحلة تلو الأخرى من دون حتى رسالة مناصرة. يموت الفن متى منعنا بحكم القانون من حقنا في التجمهر، متى عجزنا عن تكوين نقابة أو اتحاد يخدم مصالحنا المشتركة. حينما تجعل ثقافة الخوف من مهمة تافهة شأن إدارة مؤسسة فنية أمرًا مستحيلًا، فتيقن من انبعاث ريح النتانة.

يموت الفن متى صارت الإعلانات دارًا للتجريب والإبداع على صعيد جماليات الفيديو وتكوينه، وحينما تصير الأفلام (كل الأفلام) خراءًا مبثوثًا. يوم تصير الحلوى المحشوة بالمانجو أو تمثال قبيح على مدخل مدينة منسيّة موضوعات تستوجب سجال حلقات المثقفين لأسابيع، فعلينا أن نقف أمام آنفسنا وأن نقر بإفلاسنا الفكري. يموت الفن يوم تجف قريحتنا، وحين تخلو البلاد من ناقد فني واحد يوحّد العلّام قادر على كتابة مقالًا يستحق عليه راتبه، وحين نحسب النقد واحدًا وتفكّه المقاهي أو سرعة قريحة الفيسبوك. يموت الفن حين لا يعد بيننا من يعرف الكتابة.

يموت الفن متى سمحنا لأنفسنا أن نغدو أداة في يد مضاربي العقارات ضمن مشروع لتنبيل مدينتنا (Gentrify لمن يجهل التعريب) ومن ثم نسهم متحمسين في إضفاء الشرعية على أولئك الذين مانفكوا فرغوا من الترويج لمشروعهم، فسيلقون بنا في الطرقات. يموت الفن متى أنفقنا ملايين الدولارات على مؤسسات لا تخاطب إلا أنفسها وأنفس القائمين عليها، ولا تنتج إلا خطاباتهم.

مات الفن متى بات كل فنان مكروب مرعوب غير ممكّن منهك القوى فاقد الأمل معوز. مات الفن متى صار النزوح ضرورة للبقاء لا خيار، ومتى يعجز الجميع عن الدفع ببرهان أو حجة عاقلة عن إمكانية عودة أعداد من طيور الدودو مهما بلغ صغرها ذات يوم إلى عالمنا.

May 26, 2012

ﻋﻦ ﺍﻟﻔﻨﺎﻥ ﺍﻟﺴﺎﺋﺢ٬ ﻭﻛﻢ ﻣﺮﺓ ﻻﺑﺪ ﺃﻥ ﻳﻤﺘﻬﻨﻨﺎ ﺑﻌﺪ

by M. A.

ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺠﺪﻱ ﺃﻥ ﻳﻨﻜﺮ ﺍﻟﻤﺮﺀ ﻛﻮﻧﻪ ﻻ يعول ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﻈﻦ ﺣﻴﻦ ﻳﻠﺒﻲ ﺩﻋﻮﺓ ﻣﺤﺎﺿﺮﺓ ﻣﺆﺩﺍﺓ ﻟﻔﻨﺎﻥ ﺯﺍﺋﺮ ﺗﺘﻤﺤﻮﺭ ﺣﻮﻝ ﺯﻳﺎﺭﺓ ﻗﻮﺍﻣﻬﺎ ﺗﻌﺎﻭﻥ ﻟﻢ ﻳﻔﻖ الأﺳﺒﻮﻋﻴﻦ.  ﺣﺴﺐ ﺗﻠﻚ الفعاليات ألا تكون ﺳﻮﻯ ﻣلء ﺧﺎﻧﺔ ﺃﻭ ﺗﺴﻤﻴﻦ ﺑﺮﻧﺎﻣﺞ٬ وﺇﻥ ﺳﺄﻟﺖ ﺍﻟﻔﻨﺎﻧﻴﻦ فيها ﻋﻦ ﺭﺃﻳﻬﻢ ﻟﻮﺟﺪﺗﻬﻢ ﻋﻨﻬﺎ ﻋﺎﺯﻓيﻥ. ولا ﻋﺠﺐ ﺇذ ﻏﺎﺏ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﺸﺎﺭﻛين الإثني ﻋﺸﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺳﺮﺡ. ﻭﻟﻜﻨﻲ ﻭإﻥ عج ﺭأﺳﻲ ﺑﺎﻟﻈن ﻓﻘﺪ ﻭﺟﺪﺗﻨﻲ ﺿﻤﻦ ﺍﻟﺤﻀﻮﺭ.

لن أصيب إن رميت صوب عبث مجمل ما ارتكز عليه ذلك التعاون المزعم، كما أصاب أحمد ناجي في إيمائته الافتتاحية.  شغّل لنا ناجي أغنية بيورك الناجحة “كرستالاين” في الريميكس الأشهر إقليمياً الذي ينسب إلى ملك الموسيقى الشعبية المخلّقة السوري عمر سليمان وبطانة الأعراس خاصته.  وهي اسطوانة تعتبر تمثيلاً نموذجياً لخواء مساعي التعاون ما بين الغرب والشرق، فهي ثمرة جهود منتجي النجمين وشركتي توزيعهما، تخلو من أدنى قدر لاستيعاب من فردين لم يحظا بلقاء بعضهما البعض.  من الطبيعي إذن أن يأتي وليد هذا الهجين مسخاً مشوها من الضوضاء الإلكترونية الرتيبة، جدير بحانات بيروت وستوكهولم دون تفرقة.

رسالة ناجي إذن لا تضارع في جلائها، ولكن فنانونا قد فازوا بلقاء بعضهم البعض، على القليل ما بين زيارات الأهرام والمتحف الزراعي المصري وجولات البحث عن الخضرة في قاهرة عجفاء، التقوا وتحدثوا.  ربما تحدثوا عن عملهم، وربما لا.  ربما تحدثوا عن ماهية أن تكون فناناً زائراً، وماهية أن تكون فناناً مضيفاً، عن ماهية الزيارة وعن كونها سياحة أو بحثاً أو، لقد خمنتها: تعاوناً، وربما لا.

ما الذي يجعلنا نقبل – بل ونتعاون مع – امرئ يملؤه أسف متسامي لكونه لم يفهم القاهرة؟ وكأنما يفرق معنا.  من أي مدخل يفترض امرئ أنه قادر على فهم مكان ما، مكان يختلف جذرياً عن موطنه، وفي زيارة واحدة؟ من أين تنضح هذه القناعة؟ وما الذي يجعل من الفهم –المعرفة – من الأهمية بمكان بالنسبة لوجود أجنبي؟

أمن المرجح ألا يزال الشرق إلى اليوم وبالنسبة لفنانين من أمثال بافل كروك، مكاناً تنبغي “معرفته”؟ ألا نميّز تلك النبرة؟ أليست تلك هي المعرفة التي أشار إليها المستعمر الكبير بلفور في خطابه لمجلس العموم البريطاني في 1910، المعرفة التي تؤكد تفوق الجنس الأبيض وتبرهن على قدره الأزلي في حكم غيره من الأجناس؟ “إننا نعرف (حضارة المصريين) معرفة عميقة، نعرف من أين تنبع، نعرف عنها أكثر” كما جاء في خطابه للمجلس.

لن يفهم/ يعرف القاهرة ذلك الفنان على الأرجح – شأنه في ذلك شأن بلفور من قبله وطابور طويل من المستشرقين بينهما – بأي صورة أكثر عمقاً مما قد وصل إليه وإن قضى عمره بين أبنائها.  سوف يظل على الأرجح أبيضاً، وسوف يظل يحلم بـ”حل” القنبلة الأيدروجينية لتمحو المدينة، بينما يباهي بحديقته الغناء التي زرعها في أمستردام، والتي يأمل أن يرى مثيلتها في القاهرة.

هنا يلقي الفنان إريك غيروديه دي بوديمانج بصيصاً من النور على ذلك التعبير المثير للقلق.  ففي مسعاه الكسول والمضجر في آن واحد إلى تفكيك “التواريخ العدة” التي يضمها قصر شامبليون بين جنباته، وهي بناية على مرمى حجر من غاليري تاون هاوس والمقهي المحبب للجميع والذي تكشف فيه القاهرة عن أسرارها لكل غريب يلقي بأحماله فيه، يشكو الفنان من اضطراره لتخطي صعاباً – بل ورشوة الحارس – من أجل أن يلج إلى القصر وأن يصوّر فيلماً داخله، وكأنما يحوز إريك حقاً سماوياً مشروعاً لذلك العقار كي يلجه فيمحو ما دوّنه المعلمون من دروس بالطبشور على السبورات (فيحبس عنها إلى الأبد فرصة أن تصير أحد التواريخ العدة)، ثم يبدلها أسماءً من رواية آخر الموهيكان كي يصورها ويمنحها هدية إلى زميلته المصرية، مي حمدي والتي منعت من دخول القصر.  تصير هنا معرفة الأجنبي بالمكان هي هبته إلى الأصليّ.  أما طاق أحد قط أن يبيّن له حقيقة كونه ليس أول من صوّر داخل القصر؟ أن الحارس يطعم أبناءه من رزق فنانين- سائحين مثله؟ والأهم، أما طاق أحد أن يبيّن له أنّه – شأنه شأن شامبليون الذي لم يقم أصلاً في القصر – مثال مؤسف على المسعى الاستشراقي من أجل “معرفة” الشرق ومن ثم التحكم فيه فاستعماره؟

حسن، ربما آن لي أن أهجر نغمة الشكّاء.  إحقاقاً للحق لقد أتى بعض الفنانين على ذكر مفردات “السياحي” و”الغرائبي” في وصفهم للتجربة.  عساهم لم يكونوا في غفلة عن تزعزع موقفهم العارض، أو عما ألقوا عليه من ثلج رقيق وأمروا بأن يرقصوا فوقه.  وكما شطيرة منداة غطاها عطن عمره عقود من الزمان، اختتمت الأمسية بإيماءة شكلانية مادية أخرى، انبرى فيها الضيف والمضيف (معاً) في ما يشبه رقصة طقوسية تفرز أشكالاً وتداعيات أثر وضع ما بدا لنا جعبة لا قرار لها من أغراض عشوائية على سطح مسلاط قائم.  لم يحاول الفنانان في هذه الإيماءة الشكلانية أن يطرحا فرضيات حمقاء، أو أن يسلكا دروباً شقت ثم قتلت دهساً ثم نسفت فرصفت بالأسمنت.  على النقيض، لم يكن ما قدموه من كونشيرتو الأشكال لأربعة أيدي يسعى إلى أن يكون أكثر ذكاء أو أصالة مما هو عليه.

ربما كان أكثر ما أثار حفيظتي هو موقف المضيف المزعوم: الفنانين المحليين.   فقد بدوا لي معرضين في أفضل الأحوال، مشوشين ومظلومين في أردأها.  وكأنما غصبوا على أن يكونوا هناك: على المسرح أو في المجموعة.  أعترف بأن ذلك قد يكون افتراضاً زائداً من طرفي، ولكن لم اضطروا لمخاطبة الجمهور بإنجليزية بدا جلياً أنها ليست خيارهم الأول؟

بينما يحوم حوله مؤد في زي غطاس، كان الفنان أحمد كامل هو من أشار في أول حديثه مؤكداً على الفروق بين السائحين، بعد أن جلبت سارة رفقي مفردة السياحة إلى قاموس الأمسية، ما بين سائح لا يلقي بالاً بأحوال مجتمع يزوره، وآخر يقف سعيه للمعرفة على حافة البحث العلمي.  ووجدتني أتساءل: أكان يشير إلى الرحالة الأوروبيين الأوائل، والذين أفرزوا تواريخ وموسوعات ووصوف ذكت، ولا تزال تذكي، ممارسات الاستشراقيين؟

%d bloggers like this: