عن العشق والعماد والعقاب

by M. A.

يخبرنا سفر التكوين قصة ملكيّن يخبران لوطاً بأنهما مهلكان سدوم وعمورة، إذ عظم صراخ البلدتين أمام الرب وكثرت ذنوب أهلهماولما أخرج الملكان لوطاً وأهله من دائرة البلدتين قالا اهرب لحياتك، ولا تنظر إلى ورائك،ولكنهم وإذ يهربون من وجه عقاب الله وما أمطر به المذنبين من كبريت ونار تطلّعت امرأة لوط من ورائه إلى البلدة الهالكة فصارت عموداً من ملح.

إن عمل ملك حلمي الأحدث والذي يحمل عنوان شغف دافع القمامة: عرض جماعيوالمعروض في ملحق غروب على النيل بالقاهرة لهو عمل فاتن ومُستغلق في آن واحديضم هذا الفضاء الفني في ملحقهالمربع الوحيد عمل فيديو عالي الجودة من ثلاث فصول، لا يزعج هدوء الفيديو إلا قرقعة تصدر عن عمود من مساليط الشرائح الضوئية وضعت على أرفف في مقابلة شاشة العرض. تعرض المساليط على الحائط المقابل ما يبدو للوهلة الأولى شرائحاً خاوية، تتردد قرقعتها في الحجرة دون توقفيتصادف في لحظة نادرة أن تتزامن شريحة وحيدة تحمل صورة شاطئ مشمس في كل مسلاط مع نظيرتها، فيجد المرء نفسه إزاء صورة طويلة عابرة لذلك الشاطئ، وكأنها فسحة من راحة البال وسط دهر من الخواء والقفر.

يعرض الفصل الأول من مقطع الفيديو لامرأة شابة تتشح بالبياض تلتهم شطيرة في سلام، وذلك في موقع يبدو وكأنما قد دُمّر بفعل قنبلة ذرّية أو شهد دماراً محققاً. الأرض تكسوها بللورات بيضاء لامعة تعمي الأعين، تعلو فتصير تلالاً تملأ الخلفية، إذ ليست تلك في واقع الأمر إلا بحيرات الملح الصناعي في الساحل الشمالي المصري. السماء صافية الزرقة، وكل شيء غارق في السكون والسلام، وكأنما قد عبرت للتو كارثة مدمّرة أتت على الأخضر واليابس. لاحقاً نرى ذات الرداء الأبيض تمشى الهوينا وقد حملت أعلى رأسها هيكلاً مكعباً غريباً، تديره فوق رأسها بسرعة وكأنما سوف يولّد مجالاً من الطاقة.

يحيرني في الواقع عقاب امرأة لوط. يقولون أنها حين التفتت وراءها وقعت عيناها على ملاك الرب يتنزّل كي يمطر خراباً ودماراً لا رحمة فيه على الخطاة من أهل البلدتين، فتجمّدت من فورها. ولكن علام كان العقاب، وفيم أثمت؟ أكان إثمها هو شفقتها على أهل قريتها من الهالكين، والذي يمكن تأويله توقاً إلى ما هو دنس، أو كما قال ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله؟ أو ربما كان فضولاً واستطلاعاً معجوناً بخيلاء، إذ يجوز أن نجد في تطلّعها إلى شعبها مجازاً عن تطلّعها إلى ذاتها، فغرّتها بذلك نفسها كي تحسب أن بمقدورها أن تختلس نظرة إلي الذات الإلهية في تجليها؟ لا شك في أن ما اختارته ملك حلمي لبطلة عملها كي تتزيى به في موقع كالح كهذا لهو زي يتسّم بالخيلاء، أو هكذا تخبرنا هي على أقل تقدير. وإن المرء ليتأمّلها طوال مقطع الفيديو ولا يملك إلا أن يرى فيها تلك الخصلة النرجسية الشائعة، إذ تحسب نفسها منيعة حصينة، يحميها مجال خفي في شكل مكعب.

إن دورنا في الفصل الأول لا يتعدّى دور الناظر، وإن ذات الرداء الأبيض لتبدو لاهية عن وجود الكاميرا ولا تنظر بدورها إلى شيء يذكر. إن فكرة النظرة التي تحوّل إلى حجر لا تكشف عن نفسها إلا في الفصل الثاني من مقطع الفيديو. لازلنا في الساحل الشمالي، ولكن هنا تأتي بنا حلمي إلى شاطئ مشمس. تتقدم الكاميرا رويداً في مشهد لأربعة من صغار المراهقين يجلسون على كراسي البحر برداء السباحة، يحدّقون فينا ولا يتحركون قيد أنملة. ليست هذه هي نظرة المدوزا التي تحوّل من تقع عليهم عيناها من البائسين إلى حجر، ولا هي تلك النظرة اللئيمة التي تعلمّها أولئك الذكور مبكراً ويجردون بها من تقع عليهن أعينهم من الحياة، فيصرن جماداً، تكلسّاً مادياً لا غير. لا، بل تعكس حلمي مفعول تلك النظرة فيصير الناظر لا المنظور حجراً، ليس بفعل تجرأه على الذات الإلهية وإنما بفعل نظرته إلى كل منا.

لا يستمر هذا الفصل طويلاً، وسرعان ما يتحول إلى الفصل التالي. تتبع هنا كاميرا محمولة مهتزة أثر رجل يمشي. إنها لقطة مقرّبة وكأنما نسير إلى جوار الرجل أو بالأحرى من ورائه، إنها مجازاً وجهة نظر امرأة لوط. لا يلتفت الرجل خلفه بطبيعة الحال. تخفت اللقطة تدريجياً إلى سواد، موحية بأن الرجل قد وصل إلي بر الأمان.

في الأعلى وعلى سطح بناية ملحق غروب على النيل، تعطينا حلمي نفحة مما يجوز أن نقرأ فيه ما يسميه تيودور أدورنو مضمون مترسب في صورة شكل، والذي ينظر إلى الشقاق ما بين المضمون والشكل باعتباره شقاقاً واقعياً ووهمياً في آن واحد، وأن بعض أنماط الشكل المعيارية (شأن تركيبة مقاطع موسيقي البلوز الإثني عشر أو أقنعة القبائل الأفريقية مثلاً) ما هي إلا مفرزات نجمت عن مضمون متميز وذي خصوصية حينما تجمّد.” وبذا نجد في الطابق العلوي مكعباً من الملح عالقاً متجمداً في حركته، وكأنما قذف به انفجار، يقف مستنداً على خزانيّ مياه كبيرين من المعدن. تنعكس أشعة شمس الغروب المحتضرة على ذلك العمل النحتي الملحي الذي نجح في التماهي مع ما يحيط به من أغراض متشرذمة كدّسها الزمن على سطح بناية قاهرية يغلب عليها الخراب والتحات. تكتمل الصورة بلآلئ دقيقة متناثرة من كل لون: أرجوانية وزرقاء ووردية، أسخف غبار نووي وقعت عليه عيناك وأقربه لذات الرداء الأبيض في تبرّجها. وعلى حافة هذا كله يكمن مختفياً بين الركام عمل نحتي آخر: تكتّل من مادة رمادية مزرقّة، أشبه بمستخرج نفطي لفظته الأمواج علي الشاطئ، أو بالمادة الأولي التي ارتأت لنفسها أن تنبثق عن حياة، بعدما عبرت سحابة الموت النووي.

تقول ملك حلمي أن مواقع التصوير هي ما أوحت بالقصص التي أرادت أن تقصّها. مثلاً يمضي الرجل في مقطع الفيديو قدماً صوب مجمّع مهجور خارج جدران موقع مشروع مفاعل الضبعة النووي المثير للجدل والمخطط له أن يصل إلي قدرته التشغيلية بحلول العام ٢٠١٩. إن قصة مصادرة الدولة لقطعة الأرض واحتجاجات الأهالي ومقاضاتهم للدولة والتي انتهت بصدور حكم المحكمة في صالحهم، وتنازلهم المفاجئ عن الأرض ليست هي القصة التي تُروى هنا. ربما كانت ثمة قصص موازية أخرى، قصص عتيقة قد نكون سمعنا بها أو لم نسمع بها يوماً ولكننا نعلم أننا نستشعر صلة تربطنا بها، وربما تتوق تلك القصص لأن تُروى المرة تلو الأخرى، حتى تبلى الكلمات العتيقة فتعجز عن أن تحمل بين طياتها معنى جديداً، ربما حينها يترسب المعنى فيغدو شكلاً، كأعمدة ملح تتصاعد من بحار ضحلة ميتة.

مع عميق الشكر لما قدمته ميا يانكوفيتش من مساندة وتنقيح لهذا النص.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: