فنجان شاي للميكانيكي: في تحرير المخيلة المؤسساتية

by M. A.

نسخة معرّبة عن مقال نشر للمرة الأولى هنا.

المقال أدناه مستقى من ورقة بحثية أعدّت حول عدد من أنماط التنظيم والحوكمة المتاحة للجهات غير الربحية، وذلك ضمن عملية تطوير البنية المؤسساتية لسيماتك – مركز الفيلم البديل، وهو فضاء متعدد الأغراض يحتفي بالفيلم ويسعى لدعم احتياجات صناعة السينما المستقلة في مصر. لا يسعى المقال ولا الورقة البحثية إلى الدفع باستنتاجات ولا تقديم حلولاً جاهزة، وإنما يربو لفتح طاقات من المخيلة الإبداعية للتعاطي مع مسألة هيكلية.

تأمّل البحر (أو درّ له). طيب، إن تعسّر ذلك تأمّل ما يلي: ملايين من المسلمين يأتون من كل فجّ عميق حجاجاً للبقعة ذاتها في اليوم ذاته من كل عام، ويطفقون يمارسون شعائرهم لأيام في نظم محكم لا قائد فيه ولا ذا سلطان. لا يحكم سلوك أي حاج سوى سلوك جاره، ولا يرشده إمام. إن ما يبقي ذلك النظم محكماً لهو عقد مجتمعي: إذ لم تشهد المناسك تغيراً يذكر منذ مئات السنين. الكل يحفظها ويعرف أن علي الحجيج أن يمضي من هذه الشعيرة إلى تلك، وبذا يضمن الكل ذلك، أو لا يضمنه أحد. إن ذلك لهو نظم الفوضى.

لقد صرنا ومؤسساتنا نقطن عالماً لا ينفك يشهد تحولات نشطة، لماذا إذن نستغرب التغيير متى حل في مؤسساتنا الإنسانية؟ ربما لأن لحظات التغيير يصحبها حال من الانعتاق، وإننا لنحسب ذلك الحال ضرباً من ضروب الفوضى. نجاهدها ونبذل الغالي والنفيس كي نرسو إلى شاطئ المستقر، عيوننا ونفوسنا معلقة بهبوط حبيبات الشاي واستقرارها في قعر الفنجان في خط أفقي أليف. إن الطبيعة لا يستقر لها حال ولا هي خطية كذلك، وإنه لمن العجيب أن تجد الإنسانية في التغير المفاجئ نمطاً لا محل له إلا خارج حدود النظام الطبيعي. لماذا يقض مضجعنا أن نضع أنماط صنع القرار التي طالما ارتكنا إليها موضع المساءلة، ولا سيما من قبل الفوضى أو الاضطراب البادي؟.

ثمة سبيلان للخروج من الفوضى: إما رؤية جمعية أو طغيان، والأخير قد يبدو سبيل السلامة إلى استقرار مؤقت، إذ يختلق مرجعية معرفية ما هي إلا قبس من الفوضى، قبس محكوم بزمان ومكان. أكم من الأنظمة ارتضت ذلك السبيل إلى النظم، بيد أن الأنظمة الفوضوية، كما نفهمها، ليست بالبيئات الهينة. إن دية الفوضى هي الرؤية الجمعية: مؤسسة من أفراد يغنّون من نفس النوطة الموسيقية. يستوجب ذلك بدوره أن يكون لكل منهم صوتاً فاعلاً في صوغ الرؤية والرسالة والقيم التي تجمع بينهم والوجهة الاستراتيجية: انفتاح مؤسساتي حق. من دون ذلك الاعتناق لا يبقى سوى ضوضاء تنفيذية.

فلنقل أن التنظيم الذاتي يستوجب أولاً تعيين هوية الذات. إن تعيين الهوية لهو في صميم أية عملية تنظيمية، ولا سيما عملية إدراك النفس. قد تشتمل هوية المؤسسة على رسالتها ورؤيتها، ولكنها تتجاوزهما إلى غيرهما. إذ أن الهوية شأن تأويلي: إنها تاريخ نستوعبه وحاضر ندركه وغد نستشرفه. إنها الحقيقة التي نود أن نؤمن بها والتي يأتي بها ما صنعت أيدينا.

تربو المنظمات غير الربحية الناشئة في العادة إلى أن تغدو مؤسسات متأقلمة مرنة متجددة متعلمة ذكية، وكلها خصائص تتميز بها النظم الحيوية دون غيرها. إن أمامنا شتى السبل للنظر – وإعادة النظر – في أنماط التنظيم المتاحة على الساحة غير الربحية. جدير بتلك المخيلة المغايرة – تلك القدرة على التخيّل – أن تغدو خير عتاد لمنظمات تستثيرها تقنيات الإدارة الجديدة أو لتلك التي يحدوها التزام بأطر مذهبية بديلة. إن اختيار نمط إداري أو نمط حوكمة ما لابد أن ينبع من تفهم حقيقي لتلك التركيبة الدقيقة من الشخصيات والثقافات والضغوط المحيطية التي تصوغ كلها أية مؤسسة.

وفي صميم أكثر العقليات المؤسساتية هيمنة يقبع عدد من الوصفات والفرضيات: إن اتبع مجلس الأمناء والمدير وصفة ما غدا مجلس الأمناء والمدير موفقين. تمتد جذور تلك الوصفة في عمق نظريات الإدارة التقليدية شأن “نموذج الحوكمة السياسية” (نموذج كارفر ذو الفصل الواضح ما بين دور مجلس الأمناء ودور المدير وطاقم العمل الإداري، ما بين مستويات التنظيم السياسية وتلك التنفيذية) وقد نالت فرضيات هذا النموذج العريق حظها من الانتقاد. فعلى الصعيد اللغوي، تستند الحوكمة السياسية إلى مصطلحية ومخيلة استعيرت بالأساس من نظريات إدارة العمل الحر التقليدية، الأمر الذي قيد معصمها بقيد تحدوه عقلية تجارية قد لا تلائم على سبيل المثال المجموعات الخيرية أو الثقافية أو التوعوية غير الربحية. يميز هذا النموذج استخدام مفرط في حماسته لمبادئ مطروحة للجدل شأن “الإنتاجية” و”المحاسبة”، ومن هنا يأتي استناده إلى قياس مؤشر “المخرجات” معياراً للنجاح والفاعلية (مثلاً هل نقوم هذا العام بأكثر ممما قمنا به العام المنفرط؟) ويتجاهل مؤشرات “المدخلات” (أي نوع من العمل نقوم به؟) أو معيار “العملية” ذاتها (هل نعمل سوية بالصورة التي تعكس بحق قيمنا؟). غني عن الذكر أن طبيعة هذا النموذج التي تعلي من قيم المساواة والتعددية وطالما يتشدق بها تلاقي من التمحيص النزر اليسير.

إن نماذج الإدارة والحوكمة الرأسية التقليدية السائدة تسير علي نهج مجاز يعود إلى القرن السابع عشر تغدو فيه المنظمة آلة ميكانيكية، وهي فكرة تعود إلى عهد بدأ فيه مفكروه في تصور الكون كساعة كبيرة. إن لكل من أجزاء الآلة في داخلها دوراً وظيفياً فريداً، ولا يمكن لأي جزء أن يحل محل غيره، وإن أمكن للمفارقة أن يُستبدل أي من أجزاء الآلة متى عجز عن تأدية وظيفته أو أصابه عطب أو فساد، بناء على توصيف وظيفي تقني. شأن أي آلة فإن لكل منظمة هدف من وجودها (فمن ذا الذي يبغى آلة لا هدف من ورائها؟) وعامل متمرس يشغلها. يجوز القول بأن الوقت قد آن كي نوجد لنا مجازاً جديداً. فقد كشفت المؤسسات الآلية عن خواص آلية، كالعجز عن التكيّف والضعف إزاء العوامل الخارجية أو التغيرات المحيطية.

تقترح “الأنظمة ذات التنظيم الذاتي” على سبيل المثال عملية يأتي فيها النظام نتاج تفاعل يجري على المستوى الموضعي ما بين مكونات نظام غير منظم أصلاً. يدفع المنظرّون بأن التنظيم الذاتي يحمل ما يتوق إليه كل قائد: القدرة على الاستجابة دوماً إلى التغيير. إنها عملية عفوية، لا يحركها فاعل وإن نجمت القوانين التي تحكم ذلك النظام عما قد ينبع بشكل تلقائي من أي محرك فاعل ولا يبث فيها الروح سوى استجابة إيجابية من آخر. تفتش تلك الأنظمة عن مجازاتها في مسلك الطير والوحوش المهاجرة، وفي ما تشيده الحشرات الاجتماعية كالنمل والنحل من هياكل، بل وحتى في نشوء الحياة ذاتها نتاج أنظمة كيماوية ذاتية التنظيم.

إن أحد أبرز ما يميز مجموعات التنظيم الذاتي الصحيحة هو قدرتها على معالجة المعلومات والاستجابة لها. فنظراً لانتفاء مركزية المبادرة، إذ دفع بها من اللب إلى الأطراف، يغدو من الممكن أن يجري معالجة المعلومات أيضاً على المستوى ذاته. شأنهم شأن النمل في حركته، يتصادم ببعضه البعض فتزن كل نملة جارتها وتقيس نواياها ووجهتها وجهدها، كذلك يلزم أن يظل كل من العاملين في المؤسسة متاحاً لزميله، وأن تظل كافة المعلومات متاحة للجميع كذلك، بما في ذلك ما قد نحسبه منها غير ذي صلة. جدير بذلك أن يفسح مجالاً لحس المبادرة كي يبزخ من مناطق غير متوقعة. إن تلك القدرة على تحليل المعلومات هي ما يتيح لأية منظمة أن تظل قادرة على الاستجابة والتغير.

إن تصوّرنا أننا جميعاً (كائنات وكيانات وجزيئات وتيارات إلخ) نسبح في وسيط مشترك، وهو خلاف المزارع الخلوية المخلّقة (بالمعني المختبري للمصطلح)، فإن جميع من يشغلون ذلك الوسيط هم خلايا جذعية محتملة: الخلايا الجذعية هي خلايا تتميز بقدرتها الانقسامية اللامحدودة وتعدد خياراتها، وبذا تعد مصدراً كامناً لشتى أنواع الخلايا المتخصصة، كما أن بإمكانها التجدد والانقسام إلى المزيد من الخلايا الجذعية. إن جاز لنا أن نتصور أن لنا مطلق الحرية في التحرك والتصادم والتواشج والتنامي والتلاقح والتفكك والتحرك مجدداً، لصار جميع شركائنا وجماهيرنا وموظفينا وغيرهم ممن يشغلون ذات الوسيط، وممن يحملون الشفرة ذاتها (الدنا ذاته) خلايا جذعية بيدها تعزيز خلايا قائمة بالفعل، أو تكوين أخرى جديدة.

إن محطات التنظيم الذاتي الثلاث: الهوية والمعلومات والشبكات، لفي حراك دوار لا يتوقف، وإنه لمن العسير أن يضع المرء يده على ما يحفز الآخر منهم. أحياناً ما قد تفضي معلومات جديدة إلى آفاق جديدة لاستيعاب الهوية، وكثيراً ما تكشف الشبكات الجديدة عن مزيد من المعلومات. وبذا يغدو من اللازم أن يجري تعيين الإشكالات المؤسساتية والتعاطي معها على تلك الأصعدة التحتية الثلاث، لا على الأصعدة السطحية كتعديل الإجراءات أو وضع الممارسات مثلاً.

إن صورة الخلايا التي تشغل وسيطاً مشتركاً والتي مررتها من تحت أنوفكم أعلاه هي في حقيقة الأمر أقل نماذج التنظيم دراسة وأندرها تناولاً في الأدبيات. لقد نشأت عن التنظيمات الشبكية وتستعير مجازها عن الخلايا البشرية الصحيحة غير المسرطنة ونمط سلوكها. إن المنظمات الصحيحة، شأنها شأن الخلايا الصحيحة غير المسرطنة، تنمو وتتكاثر وتتواصل مع بعضها البعض، وفي نهاية المطاف تموت. إن المنظمات الجامدة والمريضة تسلك مسلك الخلايا المسرطنة، فتجمح في نموها وتنتشر وتفقد قدرتها على التواصل مع محيطها وتعجز عن أن تموت. إن المنظمات التي ترتكن إلى الممارسات المعهودة تعاني من سيطرة رؤوسها على صناعة القرار، وفي نهاية المطاف تفقد قدرتها على التأقلم مع التحولات الظرفية أو الاستجابة لها.

في ظل النموذج الخلوي، تتشكل المنظمات من خلايا متخصصة متميزة تدير نفسها بنفسها، تتشكل وتتفكك على الدوام. بوسع تلك الخلايا أن تشتغل بشكل مستقل أو بشكل مترابط، فتتواصل وتتفاعل مع بعضها البعض كي تصوغ نموذجاً تنظيمياً فعالاً. يعلي ذلك النظام من قيمة الانبثاق، ويتمتع بقدر هائل من التجاوب مع التغيرات المحيطية، كما ينادي بالتنظيم الذاتي وبالمراجعة الإيجابية الدائمة. يتم تعيين الشئون المحورية هنا في اللب أو في الأطراف.

إن حداثة عهد هذا النموذج قياساً بغيره تجعله عرضة للانتقاد والتفنيد، وإن نبرته المجددة الحادة تجعل تقبّله عسيراً على ذوي العقليات التقليدية. يتميز هذا النموذج، هذا التحول الذهني الغاليلي، بمستوى عال من التقبل للآخر ومن المشاركة وبقدرته على التحول والتجاوب مع ما يبرز على الساحة من شئون وعلى التفكك وإعادة مراجعة توافقات خلاياه وبطبيعة صناعة القرار داخله والتي تنحو إلى المشاركة في السلطة وبكون خططه تحدوها شئون تنبع من خلايا اللب والأطراف سوية، وهو ما يجعله أقرب إلى احتياجات تعدد أوسع من الدوائر وتطلعاتهم.

ويبقى التحدي هو اختلاق تلك الشفرة الفريدة، والتي تشترك في حملها كل من خلايا النظام كي يمكن لها أن تتعاون في تحقيق هدفها المشترك. من جانب آخر فإن الخلايا لا تذهب إلى ما وراء وسيطها، لابد من وسيط نسبح فيه ونصطدم ببعضنا البعض في حدوده. إن ذلك الوسيط لا يتسع إلا بانتشار الشفرة وكسب أراض جديدة نتشارك فيها ونتعاون على أظهرها. على المنظمات أن تبدأ بخلق حس متماسك بالهوية، هدف مشترك وقيم مشتركة وقصص وأساطير تبقي مؤسساتنا منطلقة على الدرب في سعي لإدراك النفس لا يتوقف. لابد أن نسعى إلى انبثاق الجلاء من الفوضى، والنغم من الضوضاء. لن يحررنا إلا ذلك الجلاء، فنسهم إسهامنا الفريد في مؤسساتنا.

المصادر

Pat Crowford. Public Participation: Finding Knowledge and Clarity in Chaos. The Innovation Journal: The Public Sector Innovation Journal. Vol. 16. (2011). Available online.

Margaret J. Wheatley and Myron Kellner-Rogers. The Irresistible Future of Organizing. July/August 1996. Available online.

Patricia Bradshaw & Bryan Hayday. “Non-profit Governance Models: Problems and ProspectsThe Innovation Journal: The Public Sector Innovation Journal, Vol. 12. (2007). Available online.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: