ابتلاع ذنَب من صفيح

by M. A.

حين سلّمتني عائدة الكاشف نسخة من فيلمها “حكاية من صفيح” في كيس يحوي عبوات تجارية مزعجة تحوي بدورها توابل هندية، أمسكت بالفيلم في طرب ووعدتها بأنّي لن أكتب حرفاً إلا إن أثارني الفيلم: فإما أن أحبه أو أن أمقته أو لا أكتب.

ينطلق الفيلم من صورة السلطة الأبوية الذكورية في أفضل حالاتها: ضابط شرطة يعنف منى وهو يحقق معها، من ورائه تحدق فينا من ظلمات غياهب موقع تصوير ضيق صورة مبارك المشوشة.  لا مجال للتخمين: إننا على مشارف رحلة أخرى تحاول خلع صفات إنسانية على شخصية العاهرة، وهو موقف لا يخلو في رأيي من تفوق أخلاقي كاذب لذوي الامتيازات.  ربما اتخذ الفيلم من هذه النقطة مدخلاً ولكنها لم تكن نهاية المطاف.

الحبكة بسيطة: إننا بصدد فيلماً يدور حول فيلم يدور بدوره حول قصة منى فرخة “العاهرة” كما ترويها منى نفسها لفريق من مخرجة وكاتب سيناريو (اختارت لهما المخرجة أسماء عائدة وعمر وهما إسما صانعي الفيلم الحقيقيين).  يحاول الفريق صناعة فيلماً حول حياة منى فيعيدا كتابتها بأيدي – للعجب – رجل.  يستمر انحراف المنظور ولعبة المرايا هذه بينما تنكشف لنا قصة منى، أو على الأقل ما تبديه  منها.

تنحدر منى من طبقة عاملة مكافحة ومطحونة، ويجري اغتصابها بصفة متكررة.  في البدء تغتصبها أعين أبيها الجائعة، ثم يغتصبها مجموعة من “الصيّع” في توكتوك (تلحق بهم لاحقاً تسمية العيال) بمشاركة صديقها الذي وثقت فيه، ثم يغتصبها زوج يحسب جسدها ملكاً له، فيشوهه ويعذّبه ثم “يعيره” لأحد أصدقائه.  وهنا يرغمنا كاتب السيناريو الذكوري على القفز زمناً إلى الأمام، إذ يسألها في نفاذ صبر عن زمن شعرت فيه بالسعادة (ولا عجب إذ سمع تلك الأغنية من قبل ولم يعد يجد فيها ما يثيره).   تطيعه منى، وتخبره عن زمن عملت فيه في ملهى ليلي، حيث تملّكت زمام مصيرها وجسدها.  تقع منى في غرام رجل لا يرغب في جسدها، وتتمكّن من الانتقام من زوجها المسيء.  هنا تتشوش القصة بفيض من السرد البصري المجرد، وحين وصل الفيلم إلى عقدة في سرده المعقّد التف ثم ابتلع ذنبه.

صوّر الفيلم بأكمله في مواقع داخلية، صممّها مروان فايد وغلّفها بمسحة رمزية معبّقة ومثيرة للاختناق.  ساندت تلك الأبجدية البصرية الطبيعة الخيالية لفعل السرد ذاته كما اعتنقه الفيلم، بينما حافظت على حميميته و”ضئالته”.  سمحت تلك الأبجدية أيضاً لكثير من مداخلات الخدع البصرية والتحريك دون أن تكون غريبة أو مقحمة.  وحينما تحطّم منى ديكور الموقع في المشهد الأخير مخترقة حاجز الوهم فتسفر عن فريق التصوير، فإننا بصدد عائدة نفسها تلقي بما شيدته عرض الحائط، وتعترف لنا ولنفسها بأن ما نشاهده لا يعدو أن يكون فيلماً.  إنها شجاعة يعجز الكثير من “فن القضية” عن الوصول إليها في المعتاد.

يعتنق الفيلم حبكة ذكية في الكتابة.  الأدوار يجري تبادلها بصفة مستمرة، فيتحول الأخيار إلى أشرار.  تتحول صورة الأم الحنون التي تغسل شعر ابنتها بينما تغني لها إلى أول من يسدد أصابع الاتهام حين تعود منى إلى بيتها مخضّبة بدمائها.  وحين تشوّه زوجها المسئ انتقاماً منه، وتعود إلى بيتها ملطخة بدمائه لا تتعاطف الأم، ولا تغني (تدرك منى لاحقاً ذلك التحول، وتبدأ في تطوير آلية الغناء لنفسها).  تتحول كذلك عصابة المغتصبين بمعجزة إلى “العيال”، حلفائها الذين يجلبون زوجها تحت قدميها كي تنتقم منه.  حتى زوجها المحبوب الحامي العنين يصير جباراً عتياً يمنع عنها رؤية ابنتها.  يبقى تمويه الفوارق هذا ما بين العدو والصديق، ما بين الطيب والخبيث، ما بين الأخلاقي واللاأخلاقي في صميم حياة منى ومحورياً في صراعها من أجل بقائها وفي تحالفاتها، تفصيل ينجح الفيلم في قبسه بحساسية.

تنتقد عائدة بالمثيل دورها كراوي ثاني.  ففي الوقت الذي لا يمكننا بحال ان نتعاطف مع كاتب السيناريو الذكوري، الذي يمتهن منى (شأنه في ذلك شأن كل الرجال قبله وبعده) تفاجئنا عائدة (الشخصية وليس المخرجة) بموقف مماثل في ابتتعاده عن منى، حين تعاتبه لفشله في كتابة منى تشبه تلك التي تتخيلها.  انه امتهان آخر لمنى واستغلال لها، هذه المرة على يد طبقة سائدة، طبقة لا يمكن لها تصوّر انقلاب الأدوار إلى لدى تفوه منى بكلمتي “وسط البلد”.  ربما كان ذلك سبباً في ابتعاد موسيقى الفيلم والتمثيل المفرط عن الإقناع، إذ أتى أداء جميع الممثلين تقريباً حبيس الانغماس في نماذج نمطية.  أمن الجائز أن الممثلين أيضاً كانوا حبساء صورة مخلّقة محفورة في امتيازاتهم الطبقية؟

المثير في هذا الفيلم هو أنه لم يبذل أدنى مجهود في الجهر بواقع منى بوصفها عاهرة.  لقد استعرضت حياة منى ذات اليمين وذات الشمال بوصفها ضحية ومستغلة ومنتقمة وناجية ومستقلة وغيرها من النعوت التي توظّف لدى الحديث عن تمكين النسوة العاهرات، ولكنني لم أرصد محاولة واحدة لتبرير وصمها بالعهر. لا يبقى أمام المرء سوى التساؤل إزاء هذا الموقف، هل آمن صانعوا الفيلم بسرديات المجتمع الأبوي السلطوي المألوفة والمدشنة، السرديات التي يسعون هم أنفسهم لدرأها، أم ربما كانت منى هي من ارتأت أن تحمي أسرار حياتها؟

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: