لا وقت للفن؟ – دعاء علي

by M. A.

يستثير عنوان مسرحية ليلى سليمان الأخيرة “لا وقت للفن – عرض مسرح تفاعلي لتكريم شهداء ثورة ٢٥ يناير” تساؤلاً: هل هناك وقت للفن؟

منذ اندلاع الثورة، والفنانون المصريون في تهافت دجاجة بترت رأسها. واتخذت مخاوفهم بعداً يكاد يكون وجودياً. ماذا نفعل الآن؟ أنستمر في فعل ما كنا نفعله قبلاً؟ أين ننتهي “نحن” وأين يبدأ فننا؟ تؤشّر تلك التساؤلات إلى جوهر العملية الإبداعية والتي طالما ارتبطت بالحياة بصورة أو بأخرى.  على الأقل بحياة الفنان صاحب التساؤلات.

يجوز القول بأن تساؤلات شبيهة قد طرحت إبان الجدل الدائر حول كيفية تقديم أعمال أحمد بسيوني في فينيسيا، حين أدمج لقبيّ الفنان والشهيد في تقويض لكليهما.  إن نزول بسيوني إلى الشارع وموته كان محتماً بغض النظر عن كونه فناناً، وبالمثل فإن قيمة فنّه ليس لها صلة بمسألة استشهاده.  هل كان مشغولاً بميراثه الفنّي حين واجه الغاز المسيل للدموع وحين تلقى الرصاصات؟ هل فكَر أي من الفنانين المعتصمين في ميدان التحرير ثمانية عشر يوماً في فنّهم؟ أعرف أني لم أفكر في فني.

يبدو جلياً أنّ هناك فارقاً بين شخص الفنان وشخص الإنسان.  قد يتصادما أحياناً ويتبادلا طاقتهما الحركيّة، فيندفعا إلى حركتهما التالية. إن هذا التصادم – لحظة التعارف العابرة تلك – يشفّ من الأعمال الفنية العظيمة، فتشاهد العمل دون أن تجرفك سرديات خبيئة، ولن تشهق متعجباً “ماذا دار بخلده/ا بحق السماء؟”.  إن الفن الذي يبتدع حين يذوب ذلك الفارق لا يترك مجالاً لتخمين دوافع الإنسان (وليس الفنان)، وسواء إن نجح في أن يقبس اهتمام المشاهد أم لا، فلن يكون هناك شكاً في توحّد الهدف.

يبدو مع ذلك أن التساؤل اليوم قد صار حول كيفية منع ذلك التصادم من الوقوع.  يفرض علينا “الزمن” أن نضع خطاً فاصلاً بين من نحن، وماذا نفعل: لا يشترط أن يكون لما نفعله علاقة بمن نحن، بينما يجب في جميع الأحوال أن يشهد على وعينا بـ”متى” و”أين” نكون.  وبما أننا فنانون، وبما أن الحاضر ردئ، فإن الاستنتاج يصبح أنه “لا وقت للفن”، ولا يلزم مجهود كبير لأن يعقب ذلك أنه لا مكان للفن.

حين نقابل الأحداث الجسام، فلا مفر من الاعتراف بها.  يكفل التاريخ مكاناً محفوظاً للفن الارتكاسي*.  إذ لا يوجد وقت للفن في أعقاب التفجيرات أو الانتصارات السياسية، بمعنى آخر: لا وقت للتفكّر المتأمل أو الفلسفة. إنه وقت العمل والتكاتف والاحتفال، وأي شيء آخر يصبح غير ملائم.  قد يفسر ذلك حالة الجمود التي تصيب بعض الفنانين وتجعلهم عاجزين عن الإنتاج وعن مواصلة ما بدأوه، ولكنه لا يسوق حججاً لفن ارتكاسي متخفي في صورة نشاط سياسي.

إن الفن الارتكاسي مكروه لا مفر منه وغير مسوغ.  إنه قربان من اندفاع إنساني يتوق للعمل والإنتاج.  إنه ضروري ومشروع، ولكن يجب أن يظل استعراضه المتيقن والواعي تحت السيطرة.  يجب أن يعلم الفنانون الارتكاسيون أن تقديمهم للحياة الحقيقية بكل فجاجتها لا يقصيهم عن شئون الفن الزائدة، إذ تبقى التساؤلات حول مكان تقديم تلك الوقائع وكيفية تقديمها ومن “نحن” وكيف يحدد ذلك كله تلقينا لها؟ إن أي صورة للتمثيل الفنّي** تعود بنا إلى تلك النقطة من التفكير والتشتت، ذات النقطة التي تحاول تلك التمثيلات – بكل واقعيتها الخشنة – أن تدينها. إن إعادة استئطار واستمكان*** أي حدث حياتي وفي النهاية التوسط إليه يحيله إلى حدث متعمد، بعيد عن مقصده بعد الصورة عن موضوعها.

من هذا المدخل، يعجز أي مثال لمداخلة مسرحية تفاعلية – مؤداة على مسرح في قاعة من قبل ممثلين في مواعيد عرض مجدولة بل وملخص لما قد يتوقعه المتفرج – في أن يرتقي لشكل أصيل غير تقليدي لما لن ندعوه فناً.  بل ولا “يبجّل” حتى واقع الشهادة (ربما يبجل مفهومها). إن جاز لنا فإنها تمثّل حقيقة في شكلها الكاذب.  إن جاز فإنها تحمل في مضمونها تناقضاً ظاهرياً.  يمكن للمرء أن يستعين بأدوات الفن في نقد سطحيته، ويحدث ذلك طوال الوقت، ولكن الافتراض هنا هو أن ما يجري “الآن” لهو أكبر من قدرة الفن المحدودة على استيعابه والاستجابة له.  فما جدوى محاولة إعادة زج الفيل في الخزانة؟

ثمة برجوازية سقيمة في افتراضية وجود “وقت للفن”.  إن اقتراح أن الفن بإمكانه التواجد فقط كي يستجيب لهو فكرة مزعجة.  والأكثر إزعاجاً لهو اقتراح أن الفن لا يمكنه التواجد إذا عجز عن الاستجابة “المناسبة”.  أكان هناك فناً أبداً؟ أم ربما كان يمضي وقتاً إلى أن تندلع الثورة؟

أؤمن بشدة بأنه ليس هناك وقت للا وقت للفن.  إنه لشديد الخطورة في وقت نحن مطالبون فيه بأن نشحذ جميع مواردنا الإبداعية وأن نحرر إمكاناتنا وأن نهجر العقائدية وأن نوسع من فهمنا، أن نجد كلمة لا إلى جوار كلمة فن.

نص: دعاء علي
ترجمة: محمد عبدالله

* الارتكاس: الاستجابة أو الارتجاع – رد الفعل (المترجم)
** التمثيل في الفن يعني الاستعانة بعناصر في العمل يسهل التعرف عليها من الجميع (المترجم)
***الاستمكان: طلب المكانية للشيء (المترجم)

Advertisements

3 Comments to “لا وقت للفن؟ – دعاء علي”

  1. Perfect blog with interesting content and design! If you like interesting photos, you can see my blog http://nikolaygeorgievkotev.wordpress.com/.
    Best wishes
    Nick

  2. خالص التحية للكاتبة و المترجم.
    المقال جعلني اعيد التفكير كثيرا في مناطق رمادية حيال كنه الإبداع في هذه الفترة.

    خالص التقدير.

  3. مقال رائع تحية للكاتبة والمترجم
    أعتقد أن الفن بالفعل ضروري الآن وهنا بنفس ضرورته في الميدان أثناء الثورة، ولكن الإشكالية الآن هو كيفية كبح جماح تفريغ الثورة وتحويلها لعلامة تجارية، بحيث يكتسب حامل العلامة شرعية تلقائية، ويصبح السؤال المحوري في انتماء الفن أو الفنان إلى الثورة هو مكان تواجده عشية الثامن والعشرين من يناير، ودوره في موقعة الجمل. وتختفي في اللحظة التاريخية معايير الجمال التي يفترض أن تخرج من التاريخ والجغرافيا.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: