Archive for October, 2010

October 23, 2010

هل هناك مخرج من أن يكون الاسقلال في الفن فئوياً؟ قراءة في فيلم ميكروفون

by M. A.

شاهدت الأسبوع الماضي فيلم “ميكروفون“، الفيلم الثاني للمخرج أحمد عبدالله من تأليفه وإنتاج فيلم كلينيك وخالد أبو النجا.  شارك الفيلم وطاقمه في مهرجان تورنتو السينمائي وسافر منه إلى مهرجان فانكوفر ثم لندن. أدرك أن صلة القرابة التي تجمعني بالمخرج أحمد عبدالله سوف تستثير مساءلة لمصداقية أي تحليل لأعماله قد يصدر عني.  وسأحاول استعادة قسط من هذه المصداقية بسرد حقيقة أنه لم تربطني بهذا العمل أية صلة إبان كتابته أو تصويره والذي تم بالكامل في مدينة الإسكندرية، على عكس فيلم عبدالله الطويل الأول “هليوبوليس” والذي قرأت نصه الفائز بجائزة ساويرس للعمل الأول قبل بدء التصوير.

يتبع الفيلم (سأستخدم هذا الفعل لأنه يصف بدقة الطابع الوثائقي لكاميرا طارق حفني مدير التصوير) بطل الفيلم خالد أبو النجا الذي يعود إلى الإسكندرية بعد فترة قضاها في الولايات المتحدة مهندساً للأقمار صناعية.  يقابل خالد من خلال عمله في جمعية أهلية ناشطة في العمل الثقافي المحلي – استخدم لها كاتب الفيلم ومخرجه مؤسسة سكندرية حقيقة هي “جدران” في توجه لاستخدام شخصيات وأماكن بأسمائها الحقيقة سوف يستمر طوال الفيلم – والتي تدير قهوة تمثل فضاءً عاماً للقاء المبدعين الشباب، سلسلة من المراهقين والشباب الذي يحاول بوسيلة أو بأخرى أن يجد فرصة للتعبير عن صوته في صورة مجموعات موسيقية “مستقلة” (لم يبذل الفيلم أي مجهود في شرح مفهوم استقلال هذه المجموعات باستثناء انعزالهم مجتمعياً وفنياً عن كل ما هو شعبوي).  يقرر خالد – في شهامة تنموية لا تخلو من العطف – أن يحاول منح الشباب فرصة للتعبير عن صوته فيصطدم بقمع مؤسسي أولاً ثم بالواقع الأليم في أن الشارع لم يعد ملكاً لهؤلاء.

يفاجئ أحمد عبدالله الجميع بقدرته المذهلة على التحكم في أدواته في فيلمه الثاني، بينما يصنع فيلماً شديد الشخصنة.  وضع على لسان شخصيتي صانعي الأفلام الوثائقية في الفيلم جم تساؤلاته وإشكالياته.  أساساً يبدو تمكنه من لغته السينمائية محكماً في كونه امتداداً شديد التطور للغة “هليوبوليس”.   أكرر القول دوماً بأن النصف ساعة الأولى لأي من أفلام أحمد عبدالله هي الأصعب، إذ تكرس جميع العناصر لنزع المتفرج خارج دائرة الأمان التي اعتادها لدى مشاهدة فيلماً.  فيض المعلومات من ناحية الكم والتسلسل يخالف تلك التي نتلقاها في الدقائق الأولى لأي فيلم، لا يبدو فيها شاغل عبدالله فيها هو التعريف بالشخصيات أو تكريس نقطة لبداية القصة وإنما العكس، يبدو جل همه أن ننسى جميعاً ما اعتدنا وأن نترك أذهاننا ليعصف بها أينما يشاء.  وهو تحديداً ما يفعل.

يعتمد الفيلم على عنصر أساسي في اختيار شخصياته “المستقلة” وهو كونها جميعاً تفتش عن وسيلة للتعبير عن أنفسها خارج إطار المعتاد بينما تحاول استعادة الشارع، سواء إن كان ذلك عن طريق التعبير الفني (مغني الهيب هوب – الفرق الموسيقية المعاصرة – فناني الغرافيتي – صانعي السينما المستقلة) أو عن طريق أسلوب للعيش (مراهقي التزلج، الذين اختزل الفيلم ثقافتهم إلى وسيلة تنقل غير معتادة).  بالطبع وقع الفيلم فوراً في إشكالية طبقية، إذ فشلت هذه الشخصيات جميعاً في كسب تعاطفي كمشاهد بوصفها ضحايا في صراع من أجل استعادة شارع يحتله الكثيرون بالفعل، إذ تنتمي هذه الشخصيات جميعاً لفئة مجتمعية ذات ميزات اقتصادية تعطي هؤلاء الشباب القدرة على تمضية وقتهم في أنشطة من هذا النوع.  يتبدى هذا الموقف متعمداً في شخصية المراهق ياسين والذي لا نراه طوال الفيلم إلا ممتطياً زلاجته ومرتدياً قميصاً مكوياً لا ينافس بياضه إلا شعر ياسين الفاحم المقصوص بعناية، وفي شخصيتي مجدي ويسرا الذين يبدو أنه قد تم اختيارهما ليضارعا وسامة عارضي الأزياء.  تبقى شخصية بائع الشرائط الذي يحتمي بـ/ يحمي لوحة المرشح الانتخابي (صوته؟) استثناءً فجاً وكأنه يحاول لصق حق التعبير بالفئات المطحونة.

إن الاستقلال في الفن لهو مصطلح اقتصادي.  فهو يصف إنتاج عمل إبداعي خارج إطار العالم المحكم لشركات الإنتاج الضخمة.  بلغت بساطة المصطلح في عالم الموسيقى إلى درجة استخدامه في وصف أي ألبوم صادر عن أي شركة إنتاج بخلاف الخمس الكبرى.  رافقت هذا التحرر الاقتصادي بطبيعة الحال حرية إبداعية، وهو ما أدى لاختلاط الأوراق في التعامل مع الاستقلال، جاعلاً منه “أسلوباً في العمل” بصرف النظر عن اقتصاديات الإنتاج.  اعتمد كثير من الفنانين المبتدئين – وبعض المخضرمين مثل برنس مثلاً – على الإنتاج المستقل لشق طريقاً في غابة القيم التجارية.

يحول “ميكروفون” المصطلح الاقتصادي إلى نوع من التمييز الطبقي: فهو وسيلة للترفع عن الجماهير واقتصادياتهم بل ربما وثقافتهم.  من الملفت في الفيلم أن تحمل جميع الشخصيات المنتمية للطبقات الدنيا أصواتاً إما مشوهة (كما في حالة بائع الشرائط الصامت في الأغلب باستثناء بعض كلمات الأغاني التي يرددها) أو مفكهة (كما في حالة الإكسلنس، السمسار اللزج كثير الكلام والذي يأمره خالد حرفياً بالصمت، بينما تعامله آية بابتسامة ساخرة لا تخلو من الترفع) أو محملة بصوت الخطاب الديني القامع كما في حالة مجموعة المصلين الذين يعترضون على حفل القهوة.  من المؤسف بالطبع أن يكون واقعنا أن يقسم الشارع بين رجال الشرطة والسماسرة المتسلقين والمتأسلمين، ولكن يفشل الفيلم في التطرق إلى أن هؤلاء الأشرار المتأسلمين (نراهم في لقطات مقربة مشوِهة يصرخون في خالد لإلغاء الحفل ثم تدعم موقفهم الشرطة) هم في واقع الأمر تمثيل حقيقي للطبقات الوسطى والدنيا الذين يمارسون حقهم في تملك الشارع بعد سنوات من اتحاد رأس المال والسلطة.

ابتداءً من هذه النقطة لا يتوقف توجه صانعي الفيلم – في جرأة شديدة – عن خلق عمل يكاد يخلو من العواطف.  إن وضع كثير من الشخصيات في مواجهة العدسة في حديث مع الكاميرا عن دوافعهم ومشاعرهم يزيد من تفهمنا لهذه الشخصيات دون شك، ولكن يأتي ذلك على حساب التعاطف.  يخالف الفيلم البنيوية المعتادة أيضاً حين يضع الخط الدرامي الوحيد تقريباً (لقاء خالد بحبيبته السابقة التي تخبره بقرارها السفر للخارج) في خلفية العمل بينما تملأ المدينة وشخوصها فراغ المقدمة.  كان لذلك التوجه ثلاثة آثار أساسية أولها هو اضطرار مخرج الفيلم ومونتيره هشام صقر لأن يصنعا فيلماً طوله ساعتين، وثانيها هو تلك “البرودة الوثائقية” التي تشيع طوال الفيلم وتجعل التعامل مع جميع أحداثه وشخصياته حيادياً بشكل لا يخلو من القسوة، وثالثها هو أنه قد حكم على أي خط درامي يحمل أقل شحنة من العواطف بأن يوصم فوراً بالإقحام.  يتضح ذلك في قصة الحب التي جمعت بين مجدي ويسرا، وتطور علاقة الأب بشاهين.   يبدو أنه سوف يبقى هناك دوماً قدر من التخوف من الخروج كلية عن المألوف لدى صنع عمل للجمهور.

كتب الفيلم من خلال سلسلة من الحكايات التي جمعها أحمد عبدالله من شخصيات حقيقية، قام بغزلها جميعاً في خيط واحد ثم أعاد طرحها على أصحابها الذين قاموا بتمثيل أدوارهم الحقيقية.  يظل ذلك في رأيي أحد أبرز عناصر المعاصرة في الفيلم حيث يذكرنا بالاتجاه نحو العموميات الخلاقة في التعامل مع المنتوج الإبداعي.  لم يدع الفيلم في أي وقت افتقاره لمؤلف، ولكنه يجد عدة حلول مبدعة لإحقاق أصحاب القصص الأصليين حقهم.  وعلى الرغم من الجرأة الشديدة المتمثلة في “دمقرطة” العملية الإبداعية، إلا أن كون عبدالله “مولف” الفيلم ومخرجه قد جاء على حساب توكيد أحادية الرؤية.  وسأستعير هنا وصف صديق لي في أن الفيلم كان بحاجة لمحامي شيطان ليصل إلى درجة ما من الحبك السردي.

ربما لا يجوز الحديث عن “ميكروفون” دون التطرق للصورة الرائعة التي أبدعها طارق حفني بعدسات كاميرا ديجيتال صممت أساساً للتصوير الفوتوغرافي (حفني مصور فوتوغرافي محترف تعرض أعماله باستمرار) وتختبر للمرة الأولى في مصر في صناعة فيلم سينمائي طويل.  كان لحجم الكاميرا الصغير ووزنها الضئيل وهيئتها الاعتيادية دوراً هائلاً في تصوير المشاهد الوثائقية في الشوارع وفي مشاهد التزلج.  كانت خبرة طارق في الإضاءة للكاميرات الفوتوغرافية أفضل عون له في صناعة صورة ممتازة في تصوير فيلمه الطويل الأول، ربما كان مشهد الحفل في دار سامح أفضل لحظاته السينمائية.

ميكروفون قفزة أخرى في طريق مخرج ذو رؤية متميزة، وخطوة على طريق صناعة سينما مصرية مختلفة ومعاصرة آمل أن تجد قريباً حلاً لإشكالية استقلالها الفئوي وأن تكتفي باستقلالها الاقتصادي والذوقي.

Advertisements
October 23, 2010

Is There A Way For Independence In The Art Not To Be Classist? A reading of the movie Microphone

by M. A.

Last week I was one of a privileged few to preview Microphone, Ahmad Abdalla’s second long feature which he also wrote, a Film Clinic and Khaled Abul Naga production.   The film and its crew screened at Toronto International Film Festival, and then Vancouver’s  and London’s.  I realize that any reviewing to Abdalla’s work by me would automatically suffer a staggering drop of credibility due to our kinship.  I shall attempt to partially regain this credibility by stating the fact that, contrary to its predecessor Heliopolis which I read its award winning screenplay before shooting began, I in fact had very little contact with the film neither as a screenplay nor during its shooting which took place entirely in Alexandria.

Microphone follows (I will use this verb as it accurately describes the DOP Tarek Hefny’s documentary style) Khaled’s (Khaled Abul Naga) return to Alexandria from the United States.   Through his work with an NGO active in the local cultural scene (the filmmaker gives it the name Gudran, an actual Alexandrian NGO in a real-life naming direction that endures throughout the film) running  a public space that serves as a meeting point for local creative youth, Khaled encounters a series of young  people striving to find their own voices in the form of ‘independent’ music groups (the film makes very little effort in explaining what this independence entails, other that a form of withdrawal from social and artistic norms.)  Khaled decides, in a development chivalry that is not entirely pity-free, to help this youth get its place under the sun and immediately is confronted by institutional suppression before he faces the depressive reality that the streets no longer belong to them.

Abdalla astonishes us all with a compelling ability to control his elements in his second film, all the while creating an exceptionally personal picture.  The two documentary filmmakers’ characters in the film utter many of the questions and dilemmas facing an artist like Ahmad Abdalla.  The visual language of Microphone is a mature extension of Heliopolis’s.  I always say that the first half hour in Abdalla’s films are the toughest; elements are mobilized to drag the spectator outside of her cinematic-experience comfort zone.  The overflow of information in those first few minutes exceeds that we find in most films, and it is not in the smoothest sequences either.  Ahmad’s concern seems to be neither informative nor to establish a launching point, it is the contrary.  The intention is to make us forget what we expect and what we are used to, and to go down a rabbit hale that only he knows his way through.

There is but one element in common between the films numerous ‘independent’ characters: They are all in search of a voice to express themselves in; a voice that is not conventional.  And they are doing so by trying to reclaim the street.  This is equally true whether the voice is artistic like in the case of hip hopers, bands, graffiti artists, and filmmakers, or an attitude like in the case of skateboarders, although the film reduces the worldwide culture into merely an unusual means of transportation.  Naturally the film fell into the expected class paradox: none of these characters succeeded in earning my sympathy.  I simply couldn’t bring myself to victimizing them and their search for claiming a street, perfectly occupied by others, as they all obviously belong to a social class with certain privileges that allows them to have the economic luxury of spending their days rapping and making documentary films.   This outlook seems intentional with Yassin, the young skateboarder, who’s always seen in a pressed, spotless white shirt, contrasted only by his neatly-cut black hair, and in Yusra and Magdi, who seem to be casted specifically with model qualities.  This leaves the tapes stall man, who shares a symbiotic relationship with a parliament candidate banner (his voice/ vote?) who comes as a crude attempt to give room for a proletarian character also in search for his voice.

Independence is an economic term.  It is the production of a creative product outside the controlled world of large production corporations.  In music it is so clear and simple that any albums produced by any label other than the major five is considered independent.    It goes without saying  that functioning outside the mainstream production system grants artists a certain amount of freedom which is leveraged to serve the term, turning independence into an ‘attitude’ or a ‘way of creating’ regardless of the economics of it.  Young and emerging artists, and even some platinum record artists like Prince, have always made use of the concept to carve their careers through the jungle of commercial viability.

In Microphone, however, the concept is reduced to some type of a class privilege: it is a way to distinguish one’s self from the economy of the masses and occasionally their culture.  It is perplexing how all the voices given to lower class individuals in the film are either deformed (the tape stall guy hardly says a word most of the film, and when he does he uses lyrics from his tapes), caricatured (as in El Excellence, the sleazy talkative broker who’s told explicitly to be quite by khaled, and laughed at by Aya), or carrying an oppressive loud voice (the Islamists interrupting the sound check.)  It is somewhat troubling that in the film those who own the street are the police, slimy entrepreneurial brokers, and Islamists.  The film completely fails to address that those villainized Islamists (we see them in close-ups shouting and yelling to stop the street concert from taking place- and then backed up by police action) are in fact lower-middle class reclaiming their own space from the capitalist-authority union.

At this point, the filmmakers courageously spare no efforts in creating an almost emotion-free picture.  Putting many of the characters directly in front of the lens and awkwardly address the camera about their motives and feelings, makes us understand them better, but only on the expense of empathy.  The film also adopts an unusual structure when placing one of the few dramatized story lines (Khaled’s meeting with his ex-lover who informs him with her decision to leave Egypt) as a backdrop of the film, allowing the cityscape to fill the foreground void.  This bore three significant effects on the film: the first was its length, as the film editor Hisham Saqr struggled to create a movie that was less than two hours long, the second was this moderately-tempered documentary feel that the film has and makes us deal with events and characters in an almost cruel neutrality, and lastly it made any story line with the bare minimum amount of emotional charge be dubbed foreign to the film’s spirit.  This is evident in Magdy/ Yusra’s love story, and the father’s relationship development with Shahin.   As it appears to be, there will always be an element of fear to entirely abandon the norm when creating a work for the public.

The screenplay was created from a mishmash of real stories collected by Abdalla.  He then wove them together in a single thread and fed it back to its owners who also acted as their real selves in the film.  This remains in my opinion the film’s most contemporary accomplishments as it bares similarity to a global tendency into using notions like creative commons when dealing with a creative product.  It certainly never claimed to be an authorless creation, but finds various ways to acknowledge the original sources of the stories.  Despite this bold democratized creative process, Ahmad’s wearing of the two hats of the director and the ‘collector’ ended up compromising the film’s vision into a monotonous one.  As a friend commented, the film lacked a devil’s advocate to reach a certain level of narrative complexity.

It would be unfair to talk about Microphone without paying tribute to the film’s brilliant image, created by Tarek Hefny with a Cannon digital camera designed primarily for still photography (Hefny is a skilled, established photographer) , and tested for the first time in Egypt in making movies.  The camera’s small size and unassuming shape came in handy when shooting documentary footage of the city (and the astonishing skating shots.)  Hefny’s knowledge of photography lighting was his best asset in delivering such a sharp and clean picture.  The party scene at Sameh’s flat remains his best moments.

Microphone is leap in an emerging and visionary filmmaker’s career, and a step in establishing an alternative and contemporary Egyptian film industry.  Hopefully this industry will one day find a way out of the paradox and turn its class-based independence into an economic and artistic one.

%d bloggers like this: