الآن والساعة

by M. A.

يظل تعامل الثقافة العربية مع مفهوم الزمن أدبياً، ربما كان خير تمثيل له في الأدبيات العربية هو استخدام لفظة “الساعة” في القرآن لوصف لحظة ممتدة ولانهائية مثل يوم الحشر.  ويبدو التعاطي مع وحدة اليوم شديد المرونة في مدن لا تنام كالقاهرة حيث يتعامل أغلب سكانها مع الساعات الأولى من الصباح بصفتها أمسية اليوم السابق وتغدو وحدة قياس التكرار هي بزوغ الشمس وغروبها بصفتها “أول النهار وآخره”.  تصير هذه المنظومة مثيرة للعجب حين نكشف دور العرب المذهل في تطوير آليات الساعات الأولى في العصر العباسي.  لغوياً يستخدم العرب أفعالاً مثل “أصبح” و”غدا” و”أمسى” – والتي أصلاً تعكس التحول المتكرر والمؤقت من لحظة في اليوم إلى أخرى– بمعنى التغير الكلي للحال.  ربما لم يهتم العرب بأفكار مثل التكرر والإعادة والأبدية لأسباب جغرافية أو ثقافية كما اهتم بهما المصريون مثلاً.

ثمة هاجس إنساني دفع الصينيين والعرب – والأوروبيين من بعدهم – لتطوير أكثر الآليات تعقيداً لتجزئة الزمن وقياسه.  إنها تحديداً جوهر تساؤلات المعاصرة: ماهو معنى أن نوجد (نحن) هنا الآن (في هذه اللحظة ودون غيرها)؟ وهل هناك وسيلة لمشاركة ما نختبره الآن مع آخرين في لحظات أخرى؟ وما هو الآن أصلاً؟ وهل يمكن تعيينه وبالتالي قياسه؟ في الموسيقى يصبح مبدأ التجزئة أساساً للأشياء، إذ تقسم النغمة إلى عدد لا نهائي من النغمات بما تسمح قدرة الأذن البشرية على الاستيعاب، ويصير هذا التقسيم أساس التعبير عن مكنونات النفس البشرية وطاقتها الإنسانية ومعنى وجودها الآني.

حتى زمن قريب (لاحظ مطاطية التعبير) كان تعاملنا مع تسجيل “الآن” تعاملاً شخصياً تحدّه إمكاناتنا التقنية.  مهما كان اتصالنا بالأحداث المعاصرة ومعما بلغ تعاطفنا مع مشاعر ومخاوف وآمال الآخرين يتمحور تناولنا لمفهوم “الآن” حول كونه لحظة فكرية نقوم بتحديدها: وضعية بعينها لعقارب الساعة الثلاث على متكررة المينا.  من المثير أن نعلم أن عقارب الساعات الأولى كانت في الواقع مؤشراً ثابتاً تدور خلفه المينا، وهو ما يبدو الآن منطقياً بحكم أن المتغير هو الزمن، وليس مؤشرنا المحدود له.  ويبدو أن تلك اللحظة الفكرية لمخترعي الساعة في طور الإعادة اليوم حين تسمح لنا تقنية حديثة بخلق مينا دائمة التكرار من لحظاتنا الفكرية، بينما يمنح كل منا عقرباً ليؤشر به على اللحظة الفكرية/ الآن (بألف ولام التعريف) والتي يملك كل منا، ربما لأول مرة، حق تعيينها.

كتب كنص موازي لموقع

SeaShellNoise.com

Advertisements

One Comment to “الآن والساعة”

  1. ربما جل الأمر مرهون بحق مجتمعنا المعاصر في تقرير “آنه” بشكل أو بآخر
    لذا فله مطلق المطاطية في التعبير

    تحية على التدوينة الذكية

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: