تصادف حضوري حفل استقبال بمناسبة إطلاق متحف الفن العربي الحديث في قاعة مذهبة بفندق مطرز على شاطئ النيل، تحدث فيها ضيفا الحدث القيمة سارة رفقي والفنان حسن خان عن موقع المتحف في الحدث الفني المعاصر وعلاقته بإنتاجية الفن وقدرة المتاحف على اتخاذ دور انتقادي وتفاعلي مع الحركات الفنية المعاصرة، وطرحا أسئلة بسيطة بقدر ما كانت انتقادية. لم يدعي المتحدثان للحظة تملكهما إجابات قاطعة خلال الخمس وعشرين دقيقة التي امتد لها حوارهما- إلى أن قاطعتهما مديرة المتحف شاكرة وموقفة الحوار عند هذا الحد، محولة الدفة نحو آفاق الكوكتيلات والمقبلات والابتسامات الصفراء ودون شك: الصفقات.
لم تكن تلك هي المقاطعة الوحيدة في الأمسية، إذ انبرى صاحب السمو الأمير آل ثان – راع رعاة المتحف – بالرد على إعراب سارة رفقي عن طرحها لأسئلة في صميم المسألة بأن يعلن حيازته “إجابة جميع الأسئلة”. تبع ذلك تصريح فنان في العقد الخامس من عمره بأنه “مش فاهمين حاجة من اللي بتقولوه” ثم عقبت سيدة متأنقة – على ما يبدو مقتنية للوحات – على تخوف سارة من ضياع قيمة العمل بمجرد متحفيته بأن “العمل الجيد لا يفقد قيمته أبداً” إلى أن اختتم صاحب السمو المقاطعات بمحاضرة انبرى فيها في الحديث عن دور المتحف الرائد في تحسين صورة العرب أمام الأخر وتقديمه لأفضل تمثيل للفن في البلاد العربية مؤكداً بذلك شكوك بعض الحاصرين من كون المشروع ممارسة أخرى مفرطة في الغرائبية وتعربف الهوية بالمقارنة بمستعمري الماضي. باختصار حفر صاحب السمو لسموه جميع الحفر التي وقع فيها، إذ كان بالحري أن يكتفي بحضوره الشرفي.
لم تكن المقاطعات هي آخر مآسي الليلة، بالطبع لم يتوقع أحد أن يكون لذلك الحدث أقل وزن على الصعيد الفني أو التحاوري أو أن يثري أي من الحاضرين، فقد كان من الجلي الفارق بين ثمن حقيبة أي من مقتنيات الخليج وحقيبة أي من الفنانات الحاضرات والتي ينشأ من أجل أعمالهن متحفاً. لن أتطرق هنا أيضاً لأبعاد الفارق الطبقي وما يتبعه من انحراف في القيم، وإنما ألفت النظر أن ادعاء الحوار لا يخدع أحداً حين تكون المنفعة المرجوة من مبادرة ما بهذا الجلاء.
تطرق خان في حديثه – بخبث من يعرف طبيعة مستمعيه – إل الأبعاد الاقتصادية للعملية الإبداعية. وددت لو سنحت الفرصة لتلقف الكرة وأن أطرح بدوري تساؤلاً. لقطر تحديداً تجربة سابقة في خلق مؤسسة عرض بموارد فلكية ومستوى فني أمل في أن ينافس نظرائه الأكثر عراقة حول العالم وهي أوركسترا قطر الفلهارموني. وهو استثمار فشل على جميع الأصعدة وإن كان له عواقب وخيمة على الحدث الموسيقي الكلاسيكي في المنطقة وربما في العالم. ما تناساه هؤلاء هو أنه من الجائز تجاوز عدم وجود طلب غامر على المنتوج الفني (بل ربما يجوز استخدامه كوسيلة لترويج قطر كوجهة للاستثمار) ولكنه من غير المعقول خلق فضاء للعرض في غياب آلية إنتاجية وهو الدرس الذي تعلمته بلدان مثل مصر وسورية والعراق منذ الخمسينيات حين نصح الخبراء الروس بتشكيل منظومة الأكاديميات الفنية والتقنية والنقدية وإنشاء الفرق الأدائية وبناء فضاءات العرض وهو ما خلق ما سمي وقتها بالثقافة الجماهيرية.
من المؤكد أن مسلسل انفجار فضاءات العرض والأوركسترات والمتاحف ودور المزادات في الخليج سوف يستمر لفترة ما. ويبقى التساؤل حول قدرة هذه الممارسات – إن جاز تسميتها ذلك – على الاستمرارية وقدر تأثيرها وتفاعلها مع الممارسات المعاصرة في المنطقة.